العدد العاشر
بنغلادش: الأطفال المتوارون

|
 © اليونسكو / لـ. إغلاسياس
حوالي 8 ملايين طفل يعمل في بنغلادش.
|
يشكل الأطفال أكثر من نصف سكان الأحياء الفقيرة في مدن بنغلادش، أي حوالي 15 مليوناً من الصبيان والفتيات، ويُضطر 8 ملايين منهم تقريباً للعمل لمساعدة عائلاتهم. وقد أطلقت الحكومة مشروعاً تعليمياً للعمال الصغار، بكلفة سنوية تبلغ 35 دولاراً للطفل، مانحة إياهم بذلك فرصة لتغيير مجرى حياتهم.
لقد مضت ثلاثة أعوام منذ أن بدأت حسنيارا، التي تبلغ اليوم 12 عاماً، بكسر الطوبة يومياً بواسطة مطرقة ثقيلة. لكن حياتها تغيرت، قبل عامين، عندما أصبحت تمضي ساعتين في اليوم في مركز للدراسة بالقرب من منزلها، في أحد الأحياء الأشد فقراً في دكا، ببنغلادش. وهي تقول بنبرة لا تخلو من الفخر: "كان رب العمل يحتال علي، لكنه ما عاد قادراً على ذلك بعد الآن، لأنني تعلمت الحساب". كما أن فرزانة، التي تبلغ 11 عاماً وتعمل في أحد المنازل، تبدي فخرها لتمكنها من عدّ النقود التي يردّها لها البقال. أما الأمين، البالغ 11 عاماً، فهو سعيد للإفلات من عمل شاق في أحد المصانع منذ أن ساعد أباه على فتح متجر لخدمات الهاتف والفاكس – بعدما تلقى، هو أيضاً، تعليماً أساسياً في مركز للدراسة يقع على مقربة من الحي المعدم الذي يقيم فيه.
إنهم ثلاثة أطفال من بين آلاف استفادوا من مشروع التعليم الأساسي لأطفال الحضر الذين يصعب الوصول إليهم. يخضع المشروع لإدارة مكتب التعليم غير النظامي التابع لحكومة بنغلادش ويحظى بدعم اليونيسيف. أطلق في عام 1997، وانتهت مرحلته الأولى في حزيران/يونيو 2004. وقد بات في مرحلته الثانية التي ستتواصل حتى عام 2009. فهو يوفر التعليم الابتدائي الأساسي للأطفال الذين يواصلون العمل. وعلى الرغم من أن القضاء على عمل الأطفال يمثل هدفه النهائي، فإن المسؤولين يعترفون بأنه ليس ممكناً بعد التخلص من هذه المشكلة في بلد يُضطر حوالي 7،9 مليون طفل للعمل لمساعدة عائلاتهم.
يصعب الوصول إلى هؤلاء الأطفال لأن الكثيرين منهم يعملون بشكل غير مرئي، وراء أبواب مغلقة. وغالباً ما يعملون خدماً في منازل خاصة أو ينفذون مهاماً شاقة في ورش لا تخضع لأي قواعد أو تنظيم، ويجري فيها استغلالهم تماماً في أغلب الأحيان. "نسعى إلى إعداد الأطفال لاختيار أفضل الفرص المتاحة أمامهم بعد اكتسابهم تعليماً أساسياً"، تقول شميمة صديقي، أخصائية التعليم لدى اليونيسيف في دكا ، والمكلفة بالإشراف على البرنامج.

|
 © اليونسكو / لـ. إغلاسياس
أطفال يعملون (دكا، بنغلادش)، في ورشة لصناعة صحون من ألومنيوم، يتعلمون القراءة والكتابة بعد ساعات العمل.
|
التدريب المهني
قصد حوالي 150 339 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 8 و14 عاماً هذه "المدارس المؤقتة" (كما يحلو للبعض تسميتها) خلال المرحلة الأولى. وقد أنشئ ما لا يقل عن 550 11 مركزاً في 6 مدن لاستقبالهم. كما قسِّمت الحصص الدراسية إلى مجموعتين للتكيف مع دوام عمل الأطفال، وهي تحصي 30 تلميذاً كحد أقصى في كل حصة. وزوِّدت المواد التعليمية للتلامذة، دون أن يُفرض عليهم القيام بأي واجبات مدرسية في المنزل.
وعلى ضوء نتائج الدراسات والتقييمات المنجزة خلال المرحلة الأولى، أدرجت تعديلات استراتيجية عدة على المرحلة الثانية، بحسب شميمة صديقي. فبات المشروع يستهدف مجموعة أكبر سناً، تتراوح أعمار أطفالها بين 10 و14 عاماً، نظراً لتمتعهم بفرص أقل بعد للاندماج في التعليم النظامي. وسيجري تسجيل 000 200 طفل في 000 8 مركز جديد بحلول حزيران/يونيو 2008 (بدأ 310 3 منها بالعمل). كما مُدِّدت فترة التعليم الأساسي التي تتيح للتلامذة بلوغ مستوى معادل للسنة الثالثة في المدرسة الابتدائية، فأصبحت تمتد على 40 شهراً، بينما كانت تستغرق عامين في البرنامج السابق.
وسيتم التركيز أيضاً على التدريب المهني، علماً أنه خلال المرحلة الأولى، درِّب 000 1 تلميذ في مجالات مهنية عدة في مدن دكا وسيلهت وباريسال. وسيتلقى 000 20 طفل تتجاوز أعمارهم 13 عاماً تدريباً مهنياً، علماً أنهم يعملون في الأصل. وسيعمل المشروع على مساعدة الأطفال الذين تلقوا تدريباً في إيجاد عمل أو المبادرة في إطلاق عملهم الحر، ومواكبتهم لمدة 6 أشهر. كما سيُوجه الأطفال الذين لا يتم استبقاؤهم للتدريب المهني نحو أنشطة توفرها هيئات مختصة أخرى.

|
 © اليونسكو / لـ. إغلاسياس
35 دولارا بالسنة، قد تمنح هذا الطفل مستقبلا أفضل.
|
35 دولاراً لضمان مستقبل طفل
يقع عدد كبير من مراكز الدراسة على بضع خطوات من الأحياء الفقيرة في المدن، حيث يوجد تركيز قوي للأطفال العاملين والمحرومين من الخدمات الأساسية ومن فرصة الذهاب إلى المدرسة. وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من خمس سكان بنغلادش (140 مليون نسمة)، أي حوالي 28،8 مليون نسمة، يعيشون في المدن. ويمثل الأطفال حوالي 56% من سكان الأحياء الفقيرة – أي ما يناهز 15 مليوناً من الصبيان والفتيات.
"مهمتنا الأولى هي تحديد الأطفال، ومن ثم تشجيعهم على متابعة الحصص الدراسية"، تقول شميمة صديقي. "فمن الهام جداً إشراك المجتمع في هذه المبادرة، بمعية المعلمين والأهل وأرباب العمل العاملين معاً لإعداد مستقبل أفضل للأطفال". ويشمل المشروع كذلك برنامج تدريب لمدة شهر، موجه للمعلمين المحليين القادرين على إقامة الاتصال بالأهل وأرباب العمل في المحيط المباشر.
"معظم المعلمين من النساء. فهن في موقع أفضل لمخاطبة الأهل وإقناعهم على إرسال فتياتهم إلى قاعات الدرس"، يؤكد ريازول قادر، مدير المشروع والأمين المساعد في المكتب الوطني للتعليم غير النظامي. ونظراً إلى تعرض الفتيات، بشكل خاص، للعنف والاستغلال، خصوصاً متى عملن لدى أفراد، وحرصاً على تحسين سياسة المساواة بين الجنسين، تحاول مراكز الدراسة بلوغ نسبة لتسجيل الفتيات تقارب 60%.
"لم يواجه المشروع صعوبات تذكر حتى الآن"، يقول ريازول قادر. "لكن إحدى المشاكل الرئيسية الماثلة أمامنا هي النسبة المرتفعة للانقطاع عن الدراسة، والتي تزايدت أخيراً، إذ أنها ارتفعت من 20% إلى 30%". ويوضح أن نسبة الانقطاع تعزى، بشكل أساسي، إلى عمليات الطرد من الأحياء الفقيرة، مما يرغم الناس على البحث عن سقف جديد كل شهرين أو ثلاثة. ويضيف قادر: "لقد قررت الحكومة وضع حد لعمليات الطرد بهدف تحسين المواظبة على الدراسة. فالأطفال سعداء جداً للمجيء إلى مراكز الدراسة لأنهم يدركون أن التعليم، في النهاية، سيغير مجرى حياتهم".
ويشار أخيراً إلى أن الحكومتين السويدية والكندية هما من أبرز الجهات المانحة لهذا المشروع الذي شهد استثمار 39،5 مليون دولار حتى الآن، أي كلفة سنوية تبلغ 35 دولاراً للطفل.
شيراز سيدفا، صحافية هندية