العدد العاشر - 2007
التعليم كحق أساسي

|
 © اليونسكو/ ASPnet/ إتيري نبيزيتز
كانون الثاني/نوفمبر 2007: انتصار أطفال الروما في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.
|
كثيراً ما يُنظر إلى التعليم كإمكانية متاحة وليس كحق، رغم أن انتفاع جميع الأطفال بتعليم مجاني وإلزامي واجب تضمنه غالبية الدساتير الوطنية. وحيثما يُنتهك الحق في التعليم للجميع، يمكن للعدالة، لا بل ويتعين عليها أن تتدخل*.
ولنأخذ حالة الهند مثلاً. فمن أصل 185 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 5 و14 عاماً، يبلغ عدد الأطفال غير المسجلين في المدارس 58 مليونا (حسب مصادر أخرى، تعد الهند 13.5 مليون طفل غير مسجل في المدرسة). ومع ذلك، كانت الدولة قد التزمت في دستورها الوطني بتأمين التعليم المجاني والإلزامي لجميع الأطفال حتى سن الـ14 في غضون الأعوام العشرة التي تلي دخول النص الدستوري حيز النفاذ. لكن المهل الزمنية المحددة لم تؤخذ في الاعتبار.
وفي عامي 1992 و1993، دُعيت المحكمة العليا في الهند إلى البت في قضيتين طالب المدعون فيهما بأن يكون للحق في التعليم قوة التنفيذ. وأبدت المحكمة قلقها لنكث الحكومة الهندية بالتزاماتها التعليمية بعد مرور 44 عاماً على إعلانها، وهي فترة تتجاوز المهل الزمنية المحددة بموجب المادة 45 بأربع مرات. واعتبرت المحكمة أن الحق في التعليم كما ينص عليه الدستور بات يشكل، بعد انقضاء هذا الزمن، "حقاً أساسياً" يمكن فرضه من جانب المحاكم. وكانت النتيجة المباشرة لهذا القرار تمكين أي طفل محروم من إمكانية الالتحاق بالتعليم الابتدائي وما دون سن الـ14 من مطالبة المحكمة بإصدار حكم إلى السلطات المعنية لإصلاح هذا التقصير واعتماد الإجراءات اللازمة.
وقررت المحكمة الهندية إعادة تحديد الحق في التعليم وترسيخه كحق أساسي. ولكن لم يقابل هذا الموقف المبدئي أمثلة مشابهة في سائر القارات. وربما، على الرغم منها بعض الشيء، وافقت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، حديثا، على اعتماد هذا التأويل.

|
 © اليونسكو/ ASPnet/ مارتن بوبك
التعليم حق أساسي (مدرسة في سلوفانيا)
|
اختراق أوروبي
فلقد ادعى 18 طفلاً من طائفة الروما في الجمهورية التشيكية أمام المحكمة لإرسالهم إلى مؤسسة تعليمية للأطفال ذوي الصعوبات، واعتبروا أن تسجيلهم في هذه المدرسة يشكل تمييزاً ضدهم بدافع انتمائهم العرقي أو العنصري، وبالتالي مخالفة لحقهم في التعليم. كما رأوا أن إرسالهم إلى مؤسسة لذوي الاحتياجات الخاصة كان وراء تفاقم تلكئهم الاجتماعي والثقافي، بينما كان يجدر بالدولة، على عكس ذلك، اتخاذ إجراءات إيجابية للتعويض عن هذا النقص ومنحهم الوسائل التي تخوّلهم الاندماج في المنهج الدراسي العادي.
أمام هذا الرفض، يتجه المدعون إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. لكن على الرغم من الإحصاءات المقلقة بشأن إرسال أطفال طائفة الروما إلى مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة، اعتبرت المحكمة أنه في ضوء العناصر التي في حوزتها، لا يمكن تفسير هذه المعاملة بالانتماء العرقي أو العنصري لهؤلاء الأطفال. كما أصدرت حكماً، بستة أصوات مؤيدة مقابل صوت واحد معارض، تعتبر فيه أنه لم يجرِ انتهاك المادة 14 لاتفاقية عدم التمييز والمادة 2 من البروتوكول الأول المتعلق بالحق في التعليم. ورُفعت القضية مجدداً أمام المحكمة الابتدائية الأوروبية.
ولكن كل شيء انهار بتاريخ 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، فهذه المرة قررت المحكمة الابتدائية الأوروبية فتح ثغرة: بالنسبة لها، تسجيل أطفال الروما يشكل نوعا من التمييز وانتهاكا لبنود اتفاقية عدم التمييز. بهذا الشكل، المحكمة تعيد التأكيد على غاية النص الأوروبي الذي يدين جميع أشكال التمييز. وتذهب أبعد وتدين أيضا الممارسات المؤسسية التي ترفض للأقليات الاستمتاع بحقوقهما، وذلك على أسس عرقية أو عنصرية. فالتعامل مع أعضائها بطريقة خاصة ومضرة بهم يعتبر تمييزاً.
إن عدم احترام حق التعليم وعدم المساواة في المدرسة يشكلان مشكلتين مريعتين لمجتمعاتنا، تتصلان بضرورة التماسك الاجتماعي والتنمية الاقتصادية. وما من وسيلة للتصدي لهذه المخالفات بأعجوبة. لكن نقطة انطلاقنا ستكون سليمة لو بدأنا باعتماد الإجراءات العادلة في المدرسة. وما من وسيلة للتصدي لهذه المخالفات بأعجوبة. لكن نقطة انطلاقنا ستكون سليمة لو بدأنا باعتماد الإجراءات العادلة في المدرسة فجعل المدرسة مكاناً أكثر أمناً، كفيلاً بإرسال المؤشرات الموضوعية عن مجتمع أكثر عدلاً، والتأثير على الشباب في علاقاتهم المستقبلية مع السلطة والعدالة.
* هذا المقال مقتطف من مداخلة للبروفسور يان دي غروف، ألقاها في إطار "حوارات القرن الحادي والعشرين" في مقر اليونسكو بباريس بتاريخ 13 أيلول/سبتمبر 2007، وكانت مكرسة لموضوع "ما هي السبل لجعل التعليم أكثر عدلاً؟".
يان دي غروف، أستاذ الحق في التعليم في جامعة أوروبا، مدينة بروج (بلجيكا).