ISSN 1993-8616

العدد العاشر - 2007


أفريقيا: من أجل التعدد اللغوي في التعليم






© اليونسكو/ أنتونيو فيورنت
يجب أن يتيح التعليم للإنسان ترسيخ جذوره ضمن ثقافته والانفتاح على سائر الثقافات معاً. وتحتاج أفريقيا لمدرسة قادرة على الدمج بين لغات القارة السوداء وتاريخها وقيمها المجتمعية، بحسب أداما ساماسيكو، رئيس الأكاديمية الأفريقية للغات*.




لو كان التعليم سلعة استهلاكية، لجعلناه أكثر عدلاً ووزعناه بإنصاف على جميع شعوب الأرض، فلا يعود ينقص أحداً منا. ولكن إذا كان التعليم فعل تجهيز وإعداد، يهدف إلى صقل شخصية الطفل ليجد مكانه في المجتمع الذي يعيش فيه عندما يكبر، يصبح المشروع التعليمي، عندئذٍ، مرتبطاً بمشروع المجتمع بأكمله.

فعلى هذا الأساس، هل يُحبَّذ اعتماد جميع الشعوب للتعليم نفسه، حتى وإن أدّى ذلك إلى تجانس ثقافي عالمي؟ أم أن تنوع المشاريع التعليمية يبقى أفضل ضامن للتنوع الثقافي الذي يُدافع عنه اليوم بعناية قصوى؟ لو أردنا حقاً تأمين تعليم أكثر عدلاً، أفلا يجدر بنا التأكد من أن جميع شعوب العالم تتمتع بالوسائل الكفيلة بإنجاز مشاريعها التعليمية الخاصة؟ وأليس أحرى بنا البحث في خطة قائمة على التشاور لجعل التعليم أكثر عدلاً مع إتاحة الحصول على الوسائل التعليمية بقدر أكبر من الإنصاف؟



© اليونسكو/ أنتونيو فيورنت
المعارف العالمية والمعارف المحلية

لكن يجب ألا يقوم صون الهوية والفرادة الثقافيتين لكل شعب على حساب الاتصال والتبادل مع سائر شعوب العالم. فلو استطعنا، في كل منطقة من كوكبنا، التوفيق بانسجام بين كمية معينة من المعارف العالمية وكمية معينة من المعارف المحلية، سيتيح التعليم للبشر تثبيت جذورهم ضمن ثقافتهم المحلية والاندماج ضمن ثقافة دولية.

لربما هذا حلم ليس أكثر. لكن لا ضير من التذكير بأن أعظم المشاريع التي شهدتها البشرية كانت في البداية، ولزمن طويل، مجرد أحلام. ولنتذكّر هذه المقولة الجميلة للأسقف البرازيلي دوم هلدر كامارا: "عندما نحلم بمفردنا، يبقى ما نحلم به حلماً. وعندما نحلم معاً، نبدأ برسم الواقع".

في هذه المنطقة من العالم التي أنتمي إليها، أفريقيا، الوضع معروف ومحزن في آن. ومَن أكثر من مؤلف كتاب "التعليم أو الزوال"، المأسوف عليه البروفسور جوزيف كي-زيربو [بوركينا فاسو]، تمكن من وصف التعليم السائد في قارتنا: تعليم يقضي بتمثل القيم الثقافية الأجنبية فحسب، لا يحترم حق ملايين التلامذة في التمتع بهوية منذ عقود؛ وتعليم مفقِر أيضاً، لأنه منفصل تماماً عن الإنتاج؛ وأخيراً، تعليم على العنف الاجتماعي، إذ أنه يولّد الإقصاء والتهميش الاجتماعيين لمن هم أقل غنى، فيجدون أنفسهم مقيَّدين بانعكاسات هذا الوضع المشلّ برمته.

نحن بحاجة لمدرسة تكون امتداداً للمجتمع، ولها روابط به. مدرسة لا تكون مقتلعة عن هذا المجتمع، وإنما تعِدُّ جهات فاعلة فيه وليس ضحايا للعنف النفسي الناجم عن قمع اللغة الأم.

فأنا واثق من أننا، لو رغبنا فعلاً في تأمين تعليم أكثر عدلاً في أفريقيا، سيتعيَّن علينا تطوير التعليم القائم على التعدد اللغوي، وعلى اللغة الأم أساساً، أي باستخدام اللغات الأفريقية للمتعلِّم، بالإضافة إلى اللغات الأوروبية والدولية التي تعتبَر اليوم كلغات رسمية في غالبية الدول الأفريقية؛ وأخيراً، تعليم يقيم جسوراً بين التعليم الأساسي للقطاع النظامي ومحو الأمية لدى الذين تجاوزوا سن الدخول إلى المدرسة.



© اليونسكو/ أنتونيو فيورنت
التعليم و الثقافة مترابطان

ما زالت معظم البلدان الأفريقية تعيش وضعاً لا يمكن القبول به، إذ يبدأ الأطفال بالتعلّم، ما أن يدخلوا المدرسة، بلغة لا يستخدمونها في المنزل. ومن هذا المنطلق، يشكل إدراج اللغات الأفريقية في النظم التعليمية الأفريقية – بصفتها أداة للتعليم ومادة يتم تعلّمها – أحد أهداف الأكاديمية الأفريقية للغات التي أديرها. ولقد قررنا إطلاق مسار فعلي لإعادة تأهيل المشروع التعليمي على مستوى القارة من خلال استعادة الصلة بين التعليم والثقافة، ودمج لغاتنا وتاريخنا ضمن المناهج الدراسية. أي، باختصار، يتمثل هدفنا في إعادة تأسيس النظام التعليمي الأفريقي من خلال ثلاثة مبادئ أساسية، على صورة الأحجار الثلاثة التي يقوم عليها المنزل الأفريقي: إعادة بناء الهوية الثقافية للمتعلِّم باستخدام اللغة الأم واللغة الرسمية بشكل متزامن؛ وإقامة صلة بين المدرسة والحياة من خلال تطويع المناهج الدراسية وتعزيز التدريب المهني وحسّ المبادرة وأساليب التعليم النشطة؛ وتشجيع دينامية قائمة على الشراكة حول المدرسة وفي خدمتها، مما يتيح إشراك مجمل المجتمع التعليمي في مشروع دراسي يشعر هذا المجتمع بالانتماء إليه.

لا شك أن أخذ اللغات الأفريقية في الحسبان كلغات عمل في جميع ميادين الحياة العامة يجب أن يبدأ في المدرسة، التي تشكل أفضل مكان لبناء العلوم والتنمية والمعرفة. ثم يجب أن تنتشر هذه اللغات في سائر ميادين الحياة الاجتماعية. فأفريقيا هي القارة الوحيدة في العالم حيث لا يستطيع المتقاضي، في معظم الدول، أن يتمتع بنظام عدلي بلغته الأم، ولذا، فهو لا يزال يلجأ إلى نظام الترجمة الموروث عن فترة الاستعمار. ودعونا نتذكّر استياء المهاتما غاندي الذي كان مُلزماً، بوصفه محامياً في محكمة العدل، بالتكلم بالإنكليزية فيما كان مترجم فوري ينقل أقواله إلى لغته الأم. فكان يردد: "إنه لوضع في مطلق العبثية. أفليس هذا من مؤشرات العبودية؟ هل يجب أن ألوم الإنكليز أم ألوم نفسي على ذلك؟".

اليوم، قررت أفريقيا أن تغير هذا الوضع من خلال إنشاء الأكاديمية الأفريقية للغات، وهي كناية عن بنية مكلَّفة، على مستوى القارة، بمجمل المسائل المتعلقة باللغات. كما أنها تشكل أكاديمية فريدة من نوعها في العالم. وتهدف إلى إقامة شراكة حقيقية في أفريقيا بين ما أدعوه الأفريكوفونية (إتقان لغة أفريقية واحدة أو لغات أفريقية عدة) وسائر المجالات اللغوية كالأنغلوفونية والفرنكوفونية والإسبانوفونية وغيرها، من منظور تعليم قائم على مواطنة مشتركة بين الثقافات. ومن هذه الزاوية، تشكل الأكاديمية الأفريقية للغات إحدى الركائز الرئيسية للنهضة الثقافية الأفريقية التي انطلقت.

* هذا المقال مقتطف من مداخلة أداما ساماسيكو، ألقاها في إطار "محادثات القرن الحادي والعشرين" في مقر اليونسكو بباريس بتاريخ 13 أيلول/سبتمبر 2007، وكانت مكرسة لموضوع "ما هي السبل لجعل التعليم أكثر عدلاً؟".

أداما ساماسيكو، رئيس الأكاديمية الأفريقية للغات، ووزير التربية الأسبق في مالي (1993-2000).