ISSN 1993-8616

كانون الأول/ديسمبر 2006


العراق: هل على التراث الثقافي أن يُدفع ضريبة للحرب؟






© Micah Garen

إذا كانت الحقيقة هي الخاسرة الكبرى في الحروب، فإن التراث الثقافي يليها مباشرة. في مناطق النزاع وما بعد النزاع عبر أنحاء العالم، أصبح تدمير التراث الثقافي، عرضياً كان أو متعمداً، علامة بارزة في المناطق التي مزقتها الحروب، لا سيما في ظل الفوارق الإتنية والدينية القائمة.







تمويل شحيح للثقافة
جرى إنفاق أكثر من 300 مليار دولار أمريكي في العراق عام 2003-2004. بيد أن الميزانية الإجمالية المخصصة لإعادة بناء المتحف الوطني العراقي وحماية أكثر من 1700 موقع أثري لم تتجاوز ثلاثة ملايين دولار: مليون دولار على شكل هبة من صندوق "باكارد هيومانيتيز"، ومليون دولار من وزارة الخارجية الأمريكية، ومليون دولار كهبة مقدمة من اليابان عن طريق اليونسكو.


أحياناً يكون الدمار متعمداً، كما في حالة تمثالي بوذا في باميان (أفغانستان) من جراء أعمال الطالبان عام 2001. لكن في غالبية الأحوال، يحدث الدمار في ظروف انتهازية، حيث تسيطر العصابات الإجرامية الضالعة أصلاً في الاتجار الدولي والمربح بالآثار في السوق السوداء على منطقة معينة ينعدم الأمن فيها. تلك كانت الحال وما زالت في جنوب العراق حيث يجري نهب عشرات المواقع الأثرية العائدة إلى الحقبة ما قبل الإسلامية على يد أشخاص يبحثون عن غنائم يسهل بيعها، كاللوحات الأثرية والتماثيل التي ترقى إلى عهد سلالة أور الثالثة (الحقبة السومرية) والحقبة البابلية. وقد تسارعت أعمال النهب قبل نزاع عام 2003 وبعده مباشرة، علماً أنها بدأت مع الفراغ السياسي الذي أعقب حرب عام 1991. في تلك المناطق التي تشهد وضعاً من عدم الاستقرار، ووسط الفوضى العارمة والمعاناة الإنسانية، هل من أمل حقيقي في تامين حماية التراث الثقافي؟








© مايكا غارين
الإرادة ضرورية لفرض الحلول

خلال الرحلات التي قمت بها إلى العراق بين أيار/مايو 2003 وآب/أغسطس 2004، حاولت العثور على إجابة عن هذا السؤال. ودهشت عندما توصلت في استنتاجاتي إلى أن مشكلة نهب الآثار في العراق يمكن أن تعالَج ببساطة نسبياً.
فالرهان الفعلي لا يتوقف على البحث عن حل وإنما إيجاد الإرادة اللازمة لتطبيقه.
يستدعي وقف أعمال السلب في جنوب العراق أولاً تحديد الشركاء الميدانيين لهذه العملية وتأمين الإسناد الملائم لهم. في أيار/مايو 2003، كانت البنى الأساسية اللازمة متوفرة في بغداد من خلال الهيئة العامة للآثار والتراث، وفي سائر المحافظات العراقية حيث لم تطرأ تغييرات تذكر على نظام عمل مفتشي الآثار وحراس المواقع الأثرية منذ سقوط صدام حسين.
لكن هذه البنى الهشة تحتاج إلى دعم لوجستي وتمويل، وإن على نطاق متواضع. عبد الأمير الحمداني عالم آثار عراقي يتميز بالشجاعة والتفاني ويعمل مفتشاً محلياً للآثار في محافظة ذي قار، إحدى المحافظات التي تعرضت لأوسع عمليات النهب جنوباً.
حاول الحمداني تأمين دوريات مراقبة في مئات المواقع في المحافظة، بمساعدة 150 حارساً مدرباً وموظفي الشرطة المحلية الذين لم يكونوا مجهزين لهذه المهمة. فلم تصمد جهودهم أمام إصرار مرتكبي أعمال النهب المسلحين.
وفي ظل التهديدات المتزايدة في العراق في حقبة ما بعد النزاع، بات حراس الآثار يطالبون بضمان رواتبهم وبمعدات جديدة وتجهيزات للاتصال، علماً أن الحاجة الأكبر تتمثل في مضاعفة عددهم. ولا بد من الإشارة إلى أن حارس موقع أثري في العراق يتقاضى 100 دولار أمريكي شهرياً. وهذا يعني أن الهيئة العامة للآثار والتراث قادرة على توظيف 1000 حارس للمواقع مع تجهيزاتهم ومعداتهم بمبلغ مليوني دولار أمريكي سنوياً، مما قد يكون كفيلاً بوضع حد لأعمال النهب في جنوب البلاد.
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن المنظمات التي لا تستهدف الربح والمنظمات غير الحكومية، حتى تلك التي رصدت موارد مالية كبرى لصون التراث الثقافي في العراق، لم تحرك ساكناً مع تفاقم أعمال النهب. ولاشك أن بعضاً منها قرر عدم التدخل بسبب الواقع السياسي المعقد والمثير للانقسامات، في حين أن البعض الآخر فضَّل عدم تمويل مشاريع قد تنطوي على مواجهة مسلحة مع مرتكبي أعمال النهب. وتثير الحالة الثانية سؤالاً جوهرياً: مَن هو المسؤول عن مراقبة وصون التراث الثقافي في هذه الحالة؟ وبينما كانت تلك الأسئلة مثار بحث ونقاش، تواصلت عمليات السلب بلا انقطاع.



© اليونسكو/دومينيك روجيه
مسجد في الموصل

ما كان يمكن فعله...

تكفينا نظرة واحدة إلى قوة حماية النفط العراقي كي نفهم ما كان يمكن فعله. فلقد وفرت قوى التحالف عقداً بقيمة 30 مليون دولار أمريكي لشركة حراسة أمنية بريطانية لتأمين حماية خطوط الأنابيب في محافظة ذي قار. وفي غضون عام واحد، جرى توظيف وتدريب 800 حارس لحماية خطوط الأنابيب الواقعة على مقربة من المواقع الأثرية. كان الحراس مجهزين بالأسلحة والشاحنات ومعدات الإرسال اللاسلكي ويتمتعون بإسناد جوي من قوى التحالف. وتتباهى قوة حماية النفط هذه بأنها لم تتعرض لاعتداء إرهابي واحد على خطوط الأنابيب في القطاع الواقع تحت سيطرتها. فهل من السذاجة التفكير بأن نظاماً مماثلاً كان يمكن أن يطبَّق لصون الكنوز الثقافية في العراق؟
تستلزم حماية التراث الثقافي التخطيط على ثلاثة مستويات: الحماية الملائمة للمواقع الأثرية قبل النزاع وخلاله وبعده؛ التركيز على المصالح الاقتصادية الأساسية التي تقف وراء أعمال النهب على الصعيد المحلي؛ التصدي للاتجار غير المشروع بالقطع المسروقة على مستوى الطلب.
يشكل الإرث الثقافي مورداً محدوداً ومهدداً بالاندثار السريع خلال حالات الصراع ومراحل ما بعد النزاع. ولذا يجب منح مسألة الحماية بعد انتهاء النزاع أولوية قصوى.
وبحسب عبارة ونستون تشرشل الشهيرة، فإن "شعباً يتناسى ماضيه لا مستقبل له". فحين تهوي البلدان، تقضي المسؤولية الأخلاقية للأسرة الدولية بالتدخل لتأمين حماية إرث الماضي صوناً لمستقبلنا جميعاً، مستقبلنا المشترك.
ميكا غارين
ميكا غارين كاتب ومصور ومخرج للأفلام الوثائقية، متخصص في شؤون التراث الثقافي وتغطية النزاعات في الشرق الأوسط.