ISSN 1993-8616

كانون الأول/ديسمبر 2006


لبنان: المدرسة بعد الحرب






© أرشيف النهار
بعدما تسكت القنابل يبقى صداها يتردد في مخيلة الأطفال، وقد يبقى هذا الصدى يمقت أعمارهم لوقت طويل. بعد صمت المدافع في لبنان ما العمل لإخراس صداها في مخيلة الأولاد؟








يحمل فادي علبة كرتونية، يلملم فيها بعض أوراقه وكتبه، يخرج بها من الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث بيته المدمر، ليسكن عند أقارب في حي الطريق الجديدة، القريب. مدرسة الحي صارت بعيدة، وسيبدل المدرسة هذه السنة، ولا حاجة للكتب القديمة، إذ ان المدرسة الجديدة في رأيه، ستطلب لائحة كتب جديدة. لكنه يأسف لدفتر الرسم الذي أراد الاحتفاظ به، لكنه لم يجده بين الركام.
أما سعاد، فتطل على الناس بخجل متشحة بالسواد، في قانا الجنوبية، يغطي رأسها وشاح يظهر وجهاً مدوراً وعينيين واسعتين دامعتين تختزنان حزن العالم وكآبته، مشيتها هزيلة، والهدوء المضطرب كأنه يختزن عاصفة من الغضب والخوف. "صديقي مات وذهبت لزيارة القبر" ثم تصمت.
سعاد نجت من مجزرة قانا عام 1996، كان عمرها ست سنوات وصارت اليوم في السادسة عشرة، أصيبت إصابة بالغة واحترقت "لكنني نجوت وخسرت أمي واخوتي الخمسة. تعودت الحرب، تأقلمت معها. لم أعد أخاف كثيراً. لكني عندما قصفوا قانا ثانية، توترت وانهرت وبدأت بالبكاء والصريخ كأني استرجع المجزرة الاولى. في صغري كنت أرسم لأهرب من خوفي. عندما تركت المدرسة توقفت عن الرسم".



© أرشيف النهار

الاهتمام بصغار الحرب

فادي وسعاد هما نموذج لأطفال لبنان الذين تلقوا القذائف والصواريخ من دون أن يكون لهم ذنب في حرب الكبار. لا يحبون الحرب ولكن لا حول لهم ولا قوة. الكبار يفتعلون الحرب ثم لا يلبثون ان يفتشوا عن الحلول لها. وللمرة الاولى يعطون الصغار حقهم في الرعاية والاهتمام، إذ لم تكن فكرة حقوق الاولاد رائجة في ما مضى، أي في خلال الحرب التي استمرت نحو 15 عاماً.
في الامس القريب، عاد الاولاد الى مدارسهم، كانوا يضحكون ويلعبون، لانهم في حاجة الى اللعب، على ما تقول رئيسة الحركة الرسولية العالمية للأولاد – فرع لبنان كلير السعيد "يجب ان يلعب الاولاد حتى يتعبوا. هذه وسيلة التعبير الفضلى. وعلينا ان نتفهم العنف الذي سيسود العابهم خلال العام الدراسي الجاري. فالاولاد مرآة للأوضاع القائمة وانعكاس للكبار".
وقد خصصت الحركة الرسولية العالمية للأولاد برنامجاً خاصاً بالأولاد وركزت على موضوع وسائل الاعلام للتخفيف من المشاهد العنيفة، "بعدما أشبعت هذه الوسائل الناس بالصور الدموية خلال الحرب. وهذا أمر غير تربوي وتظهر نتائجه في المستقبل".
وفي هذا الاطار يقول الامين العام للمجلس الاعلى للطفولة (الذي يتبع وزارة الشؤون الاجتماعية) الدكتور ايلي مخايل إن مجلسه كان سريعاً في الاستجابة لحاجات الاطفال والتنسيق مع الجمعيات الاهلية لتوفير كل الدعم النفسي والمعنوي لهم. وقد أكثَرَ من النشاطات والبرامج للترفيه عن الأولاد ودفعهم الى التكيف مع واقع جديد لا يجب ان يخرجهم عن الشعور بالآمان والاستقرار.
ويعمل المجلس حالياً على التعامل مع الأولاد وتشجيعهم بالدعم العاطفي الذي يحتاجون اليه للوقاية من اثر الصدمات النفسية عبر وضع آلية لاكتشاف الحالة واحالتها على اختصاصيين نفسيين لتوفير الرعاية وتأمين اعادة الاندماج في المجتمع.
وزارة التربية والتعليم العالي وعت أهمية الموضوع، فعملت على تدريب 105 أساتذة في مرحلة أولى، شاركوا في منطقة مرجعيون، جنوب لبنان، بدورة للتدريب المدربين حول الدعم النفسي التربوي للأولاد ما بعد الحرب. ووزع الوزير خالد قباني الشهادات عليهم، داعياً اياهم الى "بذل كل الجهود لاعادة التوازن النفسي للأطفال الذين ذاقوا مرارة الحرب وويلاتها."
كما قامت وزارة التربية بالتعاون مع اليونسكو واليونيسيف، أربع ورشات عمل لمناطق بنت جبيل والنبطية ومرجعيون وحاصبيا، في الجنوب اللبناني، استغرق كل منها أسبوعاً، وشارك فيها خمسة وعشرون معلماً ومعلمة في المدارس الرسمية بالإضافة إلى خمسة منشطين من مراكز التعلم المجتمعين أو من جمعيات ناشطة في المجتمع المحلي. نظم ورش العمل بالإضافة إلى فريق من مكتب اليونسكو ببيروت، فريق عمل من المدربين في مجال التربية الناشطة، والمسرح والفنون وعلم النفس. يقول المنسق هذه النشطة، شريف بيبي، إن هذا النوع من البرامج يهدف إلى مساعدة التلامذة على تخطي موضوع الحرب عبر برامج خاصة، منها ما هو حسّي عملي ومنها ما هو درامي، إضافة إلى تمارين في الدعم النفسي وغيرها.



© اليونسكو/السفير
مدرسة مهدمة في بنت جبيل

العمل الاجتماعي-الفني

والى العمل التربوي المنظم جزئياً وغير الكافي حتى اليوم، ثمة عمل
اجتماعي ـ فني مواز، تعمل عليه جمعيات أهلية ويتركز على النشاطات خارج الصف، من مخيمات (ويك اند) ورحلات ترفيهية، اضافة الى الرسم والغناء. وقد اختارت الفنانة جاهدة وهبه مجموعة من الأولاد لمشاركتها في أغنية عن السلام، لتظهر للأولاد بأن لهم دورا في صناعة السلام للمستقبل.
اما مستشارة الصحة العقلية في الهيئة الطبية الدولية (IMC) الدكتورة لين جونز، فتتوسل الدمى المتحركة في القرى الجنوبية لتعلم الاولاد كيف يتجنبون القنابل المنتشرة في كل مكان، ولتعطيهم فرصة التعبير عن "الولدنة غير المكبوحة". فعندما وصلت الى لبنان منذ أسابيع، اكتشفت لدى بدء عملها، ان أولاد الجنوب سجناء منازلهم. لا نشاطات ترفيهية تذكرهم بطفولتهم التي هجروها ولا لهو وسط المنازل المدمرة وبعضهم يدرس في خيمة، لذلك ارتأت والمسؤولين في الهيئة الدولية ان يبنوا مركزاً يجسد لهؤلاء الاولاد الامان ويتيح لهم فرصة اللعب والتحدث عن مخاوفهم بحرية. فكان المركز في بلدة الخيام، وكانت الضحكات التي تخرجهم من قوقعتهم.
لكن الاختصاصية في التربية كلير سعيد، ومسؤولة الحركة الدولية الخاصة بالاولاد ترى ان العمل على تنوعه وغناه والجهود التي تبذلها الجهات المتعددة، لم يطل الا مجموعات قليلة، وهو يحتاج الى متابعة دائمة خلال العام الدراسي، ولا يفيد اقتصاره على عمليات محدودة في الزمان والمكان. وتتمنى على وزارة التربية مع المنظمات الدولية المتخصصة وضع خطة تمتد لسنة أو أكثر لمتابعة العلاج الذي يظل ضرورة ويجب ان يشمل كل الأولاد وان لم تظهر حالات المرض عليهم مباشرة... وربما يجب متابعة حالات الكبار أيضا.
غسان حجار-بيروت