كانون الأول/ديسمبر 2006
العراق: حيث المدرسة ليست مكانا آمنا

|
 © شارلي أونيانز
الحياة مستمرة في شارع حيفا في بغداد
|
مع سقوط نظام صدام حسين انتعشت الآمال بنشوء عراق جديد، ديمقراطي وحديث قوامه العلم ومجتمع المعرفة. لكن هذا البلد وفير الخيرات، الطبيعية والثقافية والإنسانية أخذت مسيرته التربوية تتعثر على مذبح حرب غير معلنة تجعل حياة المدرس صعبة وحياة المدرسين والدارسين جحيما.
بعض الوقائع بشأن العراق:
- منذ عام 1990، هاجر ما بين 30 و40% من نخبة الأساتذة وأكثرهم تدريباً إلى البلدان المجاورة وأوروبا وأمريكا الشمالية.
- تعرضت 84% من البنى التحتية لمؤسسات التعليم العالي للأضرار جراء الحرب وأعمال النهب.
- بين عامي 2003 و2004، اغتيل 47 معلماً على أقل تقدير.
- بين شباط/فبراير وآب/أغسطس 2006، اغتيل حوالي 180 أستاذاً وفرّ 250 3 آخرون من البلاد.
المصدر: اليونسكو ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية
.
كان صديقي طارق أول مَن حدثني عن هذه الظاهرة. قال إن ابنة أخيه غاضبة لأن والديها مصران على نقلها إلى مدرسة جديدة على مسافة أقرب من المنزل. كانا قلقين إذ أن المسافة التي تقطعها ابنتهما يومياً في هذه الظروف العصيبة بعيدة جداً، وتعرّضها، كما سائر المراهقات، للخطف. فأفراد الميليشيات يجوبون الشوارع لفرض قوانينهم الخاصة، فيما القذائف تستهدف حتى المناطق "الآمنة".
ثم ذكر بصوت خفيض، وكأنما يفصح لي عن سر، أن المدارس في جميع الأحوال بدأت تخلو من التلاميذ والمعلمين.
بعد حين، سرد علي المترجم الذي يرافقني قصة مماثلة، وكذلك أحد الأشخاص المكلفين بحراستي. اكتشفت أن المسألة لا تقتصر على المدارس، وأن النظام التعليمي برمته في العراق يواجه الفراغ من جراء العنف السائد. يقول المعلمون والأهل إنهم ما عادوا يشعرون بالأمان لدى الذهاب إلى المؤسسات التعليمية في ظل ما يتعرضون له من قتل وتهويل.
وقد ساءت الظروف إلى حد دفع بحوالي نصف الهيئات التعليمية في بعض المدارس للتوجه إلى الخارج هرباً من هذا الجو الخانق، أو الاستقالة، أو طلب إجازات طويلة، في حين أن حجم الصفوف تقلص إلى النصف في المناطق الأكثر تأثراً بالعنف.
.

|

© فليك آر./ماسر
|
الميليشيات في الجامعات
ولم يكن أحد يتوقع أن تأخذ الأمور هذا المنحى. فلقد كان السياسيون وسلطة الائتلاف المؤقتة – التي سلمت زمام الحكم لأول حكومة في حقبة ما بعد الفترة البعثية في العراق العام الماضي – يؤكدون على إدراج التعليم ضمن أولويات إعادة البناء، قائلين إنه تم إصلاح وتجهيز آلاف المدارس بالإضافة إلى اعتماد منهج جديد.
لكن هذه التصريحات لم تعكس سوى جزء من الحقيقة. فمع بداية الفصل الدراسي الجديد، تبين أن التعليم في العراق يواجه أزمة لا سابق لها. إنها أزمة لا تعود بجذورها إلى العنف الديني والحزبي فحسب، وإنما تعزى إلى أنشطة المتطرفين الذين يستهدفون العنصر النسائي في الهيئات التعليمية، وخصوصاً معلمات المواد العلمية.
إنه وضع مؤسف... فلقد تسللت الميليشيات إلى الجامعات، من البصرة جنوباً إلى كركوك والموصل شمالاً، علماً أن الميليشيات التابعة للمنظمات الإسلامية تمارس التهديد بصورة منتظمة على الطالبات أمام بوابات المدارس.
ويوضح الأستاذ سعد جواد، المحاضر في مادة العلوم السياسية في جامعة بغداد بالقول: "باتت الميليشيات من جميع التيارات حاضرة في الجامعات. ولا يمكن تأمين الحصص الجامعية بسبب الفوضى العارمة، في حين أن الزملاء القادرين على الهرب لا يترددون لحظة في الرحيل. لقد أصبح الوضع لا يطاق. قررت البقاء بينما أساتذة كثر آخرون قد غادروا. لكن سيصل بي الأمر إلى حد قد أضطر فيه إلى الرحيل أيضاً. لقد غادر البلاد عدد كبير من الأساتذة، فيما طالب آخرون بإجازات مرضية طويلة الأمد. بتنا نلجأ إلى الطلاب الحائزين على شهادة الماسترز والدكتوراه لملء الفراغ القائم".
ويقول وضاح نظمي، الأستاذ المحاضر في مادة العلوم السياسية في بغداد أيضاً: "بعد عمليات القتل المنظم لأساتذة العلوم، اضطر العديد من أساتذة الطب والعلوم الطبيعية والرياضيات إلى الهرب. ومَن يملك المال من الأهل يقوم بإرسال أبنائه إلى الخارج لمتابعة الدراسة. كما قرر الكثيرون، بمن فيهم ابنتي، إتمام مرحلة التعليم العالي في مصر".
إنها حالة مثيرة للذعر. منذ عامين تقريباً، كشفت لي مجموعة من النساء المحاضرات في جامعة البصرة عن التخويف الذي تمارسه مجموعات من الشباب المتحالفين مع الميليشيات، من خلال أساليب الإكراه بالتهديد، إزاء طالبات لا يرتدين الحجاب، والتهويل على اللواتي يتابعن حصصاً "غير لائقة" في نظرهم. وما لبثت أن انتشرت هذه الظاهرة عبر جميع أنحاء العراق في الأشهر التالية.
ما من مكان آمنكان النظام التعليمي في العراق يعدُّ في السابق من أفضل النظم التربوية في العالم العربي، إذ كان يشمل التعليم الابتدائي الإلزامي والمجاني، ومستويات التحاق عالية بالمدرسة، وإحدى أعلى نسب محو الأمية في المنطقة. لكن هذا النظام التعليمي يعاني منذ عقود عدة، للأسف، من آثار الحروب والعقوبات الاقتصادية.
وتبذل الحكومة العراقية منذ فترة جهوداً لإحداث تغيير وإصلاح الركائز الرئيسية الثلاث للتعليم – التلاميذ والمعلمين والمناهج.
وقد أعلنت الحكومة بأنها سترفع الميزانية الإجمالية للتعليم بنسبة 600% بهدف تطبيق مزيد من المشاريع التي تعود بالفائدة على النظام التربوي ككل. وعلى سبيل المثال، بدأ المدربون الدوليون بإدارة حلقات عمل للمعلمين، في حين يجري حالياً مراجعة المناهج على الصعيد الوطني تمهيداً لإصلاحها.
كما أن الحكومة اعتمدت زيادة على رواتب المعلمين بقيمة 000 200 دينار عراقي (حوالي 135 دولار أمريكي) شهرياً بالإضافة إلى حوافز شهرية تتراوح بين 000 30 و000 50 دينار عراقي (حوالي 20 إلى 35 دولار أمريكي). وتوفر وزارة التربية قطع أرض وقروضاً للمعلمين لشراء سيارات خاصة يمكن تسديدها على مدى ثلاثة أعوام.
تجدر الإشارة إلى أن اليونسكو وغيرها من المنظمات الدولية لعبت أيضاً دوراً في تطبيق برامج عاجلة وإنسانية لتزويد التلاميذ العراقيين بمرافق لائقة وكتيبات مدرسية وفرص تعليمية.
ويلقي الوضع الأمني بالآثار الأكثر فداحة على النظام التعليمي في العراق. ولا تقتصر خطورة هذا الوضع على الجامعات في بغداد فقط، وإنما تشمل الموصل حيث يشتكي الأساتذة من نظام على وشك الغرق في فوضى مطلقة".
محمد أ. أستاذ علوم يبلغ من العمر 60 عاماً. طلب عدم الكشف عن اسمه الكامل، وقد تحدث إلينا لدى عودته من جنازة زميل له قتل في انفجار وكان أستاذاً في مادة القانون وعميداً لكلية القانون، قائلاً: "التعليم هنا تعمّه الفوضى. الأساتذة يرحلون. والطرقات والجسور مغلقة. الطلاب والأساتذة يجدون صعوبة في الوصول إلى الجامعة. وقد تراجع عدد الطلاب في بعض الأقسام إلى الثلث. أما في الأقسام الأخرى، فلدينا أمثلة عن صفوف خالية تماماً. ويواجه الطلاب هذا الوضع بشجاعة. لقد اضطررنا إلى خفض المستويات التعليمية لاستقبالهم جميعاً. علينا أن نعاملهم بأناة. النظام بأكمله يتعرض لانحدار سريع".
كما أن هذا الوضع ينعكس في العديد من المدارس العراقية. ويقول معلم سابق في مدرسة العامرية الثانوية – بعدما قدم استقالته قبل أربعة أشهر- "الأطفال عاجزون عن الوصول إلى المدرسة بسبب إغلاق الطرق. كما أن عدداً من الأهل عمدوا إلى سحب أبنائهم خوفاً من أعمال الخطف. عندما تركت المدرسة، كانت نسبة حضور التلاميذ تبلغ 50%. كنا نرى الأهل يأتون لطلب "عطلة" لأطفالهم، ويعترفون لنا بالقلق الذي ينتابهم كلما قاموا بإرسالهم إلى المدرسة. في الفترة من 8 إلى 28 أيلول/سبتمبر الماضي، قتل عضوان من الهيئة التعليمية. ومن المفترض أن يبلغ أعضاء هذه الهيئة 42 شخصاً، بينما هذا العدد لا يتجاوز 20 شخصاً حالياً".
مما لا شك فيه أن الشباب العراقيين يعانون أكثر من غيرهم من الوطأة الشديدة لهذا الوضع. فهم يتوقون في غالبيتهم إلى العلم. هلا محمد طالبة في المرحلة الثانوية في منطقة الزعفرانية. كانت تعقد الآمال على الذهاب إلى الجامعة هذا العام. لكن مدرستها تقع في منطقة اشتهرت بالعنف، فأجبرت على طلب تأجيل. وهي تقول: "المسافة بعيدة جداً ومحفوفة بالمخاطر. لا أدري ما إذا كنت سأذهب إلى المدرسة أم أنني سأبقى مسجونة في المنزل".
بيتر بومون – بغداد