ISSN 1993-8616

2008 - العدد الأول


اللغة القيرغيزية "الناشئة"





© اليونسكو/ كاترينا ماركيلوفا
محل بيع الصحف باللغة الروسية والقيرغيزية في بيشكيك، عاصمة قيرغيزستان

في شوارع بيشكيك، تطالعك لغتان اثنتان على اللافتات الدعائية، وفي محلات بيع الصحف والمجلات، وأثناء الحديث مع الناس. لقد اعتمدت قيرغيزستان، المستقلة منذ عام 1991، اللغة القيرغيزية لغةً وطنية، مع الاحتفاظ بالروسية كلغة رسمية. أما الحصيلة اللغوية لهذه الخطوة، فأقل ما يمكن قوله إنها متفاوتة النتائج.



تشكل قيرغيزستان - مع كازاخستان- الدولة الوحيدة التي احتفظت باللغة الروسية كلغة رسمية، من بين 15 جمهورية سوفياتية سابقة، مع إعلان القيرغيزية لغة وطنية. لكن القيرغيزية، التي تنتمي إلى عائلة اللغات التركية، متداولة لدى 73% من السكان (أي ما يقارب 3،7 مليون شخص). وفي الوقت ذاته، ما زالت الروسية حاضرة بقوة، وتشكل اللغة الأكثر رواجاً في العاصمة بيشكيك حيث تتركز الحياة العامة والثقافية القيرغيزية.

وتحسن الأجيال التي تلقت تعليمها بالروسية خلال حقبة الاتحاد السوفياتي اللغة القيرغيزية دون إتقانها كلياً، لا سيما في المدن. وغالباً ما يكون تعلّمها قد جرى في المدرسة. "إذا قررت الحكومة غداً الانتقال رسمياً إلى القيرغيزية، لن أنجح في استخدامها في حياتي المهنية"، تقول جيلديز حسنباييفا، مساعدة تطوير البرنامج في معهد السياسة العامة. وهي تنتمي إلى القيرغيز الإتنيين المستقرين بشكل أساسي في بيشكيك، وتتراوح نسبتهم بين 2 و3%، علماً انهم لا يعتبرون القيرغيزية بمثابة لغتهم الأم.

ولهذه اللغة (لغة الأكين) تقليد شفهي طويل ترسّخ مع الحكاة المشهورين. وهي لم تستخدم الأحرف اللاتينية، ومن ثم الأحرف السيريلية، قبل عام 1920. وطوال الفترة السوفياتية، كانت القيرغيزية منتشرة فقط في الأرياف (على مستوى العائلات وبين الأصدقاء) أو في أوساط معينة لدى المثقفين، الحريصين على صونها. كما أنها غائبة تماماً عن الحياة العامة، رغم تعليمها، على أعلى مستوى، في موسكو ولينينغراد (سانت بطرسبرغ حالياً).



© اللجنة الوطنية القيرغيزية لليونسكو
فن الأكين اختارتها اليونيكو كإحدى روائع التراث الشفوي وغير المادي لعام 2003

الحضور الطاغي للروسية

قبل نيل الاستقلال بقليل، وتحديداً مع بدء برنامج الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية (بيريسترويكا)، فرضت السلطات المحلية اللغة القيرغيزية كلغة وطنية، محل الروسية، بموجب قانون عام 1989 المتعلق باللغة الوطنية في الجمهورية السوفياتية الاشتراكية القيرغيزية. وقد ثبت أن الإرادة السياسية شيء، والواقع الميداني شيء آخر. فالقانون لم يُطبق لعدم توفر الوسائل اللازمة لذلك، إذ أن التمويل سرعان ما تقلص وجرى الاستغناء عن الموظفين المسؤولين عن تطبيق القانون.

ويتفاوت الاهتمام بهذه اللغة تبعاً لتبدل الحكومات، وهو أمر سائد جداً في بلد يشهد تقلبات مستمرة في المشهد السياسي. وتتعاقب المراسيم المختلفة لصالح اللغة القيرغيزية، بما ينمّ عن سياسة لغوية حمائية تزيد من حدة التوترات في بلد يؤوي 80 مجموعة إتنية مختلفة تستخدم الروسية للتواصل فيما بينها. وقد صوّت النواب في عام 2000 على قانون جديد بشأن اللغة الرسمية بعدما انتابهم القلق لرحيل الناطقين بالروسية عن البلاد بكثافة. ويمنح هذا القانون للروسية مرتبة شبه معادلة للقيرغيزية، على أن تصبح الأولى لغة رسمية، والثانية لغة وطنية.

وكان ذلك نبأ ساراً بالنسبة للناطقين بالروسية في قيرغيزستان، الذين لم يشعروا، طوال ستة عشر عاماً من الاستقلال، بحاجة إلى تعلم القيرغيزية، بفعل غياب سياسة لغوية متماسكة.

وتطمح السلطات المحلية إلى "إيجاد حاجة" لتداول القيرغيزية، لكنها لا توفر لنفسها السبل الكفيلة بذلك. "يفتقر معهدنا للأموال اللازمة لنشر أعمال علمائنا. وما زالت مخطوطة المعجم الروسي القيرغيزي الكبير التي تقع في 250 صفحة قابعة في خزانة يغطيها الغبار" يقول بأسف قديرالي كونكوباييف، مدير معهد الألسنية التابع لأكاديمية العلوم في قيرغيزستان. وفي حين أن الحقبة السوفياتية شهدت نشر أكثر من 30 كتاباً مرجعياً بشأن اللغة القيرغيزية، لم يصدر أي كتاب -أو بالكاد- منذ استقلال البلاد.

وهذا ما يدفع بقديرالي كونكوباييف إلى إطلاق نداء استغاثة: "لقد باتت الآداب والفنون في وضع حرج. ففي كلية الآداب، لا تشمل البرامج الدراسية عدداً كافياً من المؤلفين في مجال الأدب الوطني باللغة القيرغيزية، وعليّ القول إن الكثيرين من كتّابنا المعاصرين ليسوا بعيدين عن الأمية". ولا تقتصر هذه الحال على الكتّاب، ويكفي للتيقن من ذلك إلقاء نظرة سريعة على نوعية الصحف".

"إن التقدم المحرز لنشر اللغة القيرغيزية منذ الاستقلال غير كافٍ"، يوضح تاشبو دجوماغولوف، رئيس اللجنة من أجل تنمية اللغة الوطنية. لكن منذ ثورة آذار/مارس 2005 (التي أدت إلى خلع الرئيس عسكر أكاييف)، بدأت الجهود تتضاعف: "كان الدعم الحكومي قبل عام 2005 يبلغ 000 35 دولار، وقد ارتفع اليوم إلى 000 170 دولار".

وحتى وإن كان هذا المبلغ زهيداً بالمقارنة مع حجم الدعم الذي تخصصه كازاخستان لتعزيز انتشار اللغة الكازاخية على أراضيها، والذي يبلغ 30 مليون دولار، فإن النتائج باتت ملموسة. وخير مثال على ذلك البرامج التلفزيونية. فقبل عام 2005، كانت محطة واحدة تبث بالقيرغيزية. أما اليوم، فتخصص 5 محطات من أصل 10 ما لا يقل عن 60% من وقت بثها لبرامج باللغة القيرغيزية.




© اليونسكو/ كاترينا ماركيلوفا
في إحدى أكبر المكاتب الموجودة في البلد، أجدد الكتيبات باللغة القيرغيزية تعود إلى عام 1992.

التعليم: الحلقة الضعيفة

ويبدو أن الوسيلة التعليمية هي المستبعَدة الأولى عن المعركة من أجل نشر اللغة الوطنية. "فمن جهة، نلحظ زيادة في عدد ساعات تعليم القيرغيزية في المؤسسات المدرسية والجامعية، ومن جهة ثانية، يتوفر عدد قليل جداً من الأساتذة المؤهلين، حتى وإن كان الوضع يسجل تحسناً منذ أعوام قليلة"، يقول قديرالي كونكوباييف. وبالفعل، لقد أنشئت وظيفة جديدة في مجمل جامعات البلاد لـ "نائب رئيس الجامعة لشؤون اللغة القيرغيزية"، بهدف تشجيع نشر هذه اللغة وحث الأساتذة على استخدامها لدى تقديم موادهم (بما يشمل الجامعات التي توفر برامجها بالروسية).

وبفضل جهود اللجنة من أجل تنمية اللغة الوطنية، طُورت منهجيات جديدة لتعليم القيرغيزية. وهي تحل مكان المنهجيات البالية، التي غالباً ما تنقصها الفعالية، وذلك باعتماد الحوارات القصيرة، والألعاب، والأمثلة الملموسة. لكن هذه المنهجيات تصدر بطبعة لا تتجاوز 000 3 نسخة، مما يجعل من الصعب تلبية احتياجات أكثر من 100 2 مدرسة (700 1 منها تستخدم القيرغيزية) وحوالي 40 جامعة عبر أنحاء البلاد يوفر عدد منها حصصاً بالقيرغيزية. وتموّل الدولة نشر كتيبات مدرسية بهذه اللغة، لكنها لم تبادر بعد إلى إصدار الكتيبات الجامعية. ونتيجة لذلك، فإن هذه الكتب معدومة تماماً، بكل بساطة، على المستوى الجامعي.

تقودنا هذه الحصيلة اللغوية المتفاوتة في نتائجها في قيرغيزستان إلى التساؤل عن جدوى الأساليب المستخدمة. فهل يمكن فعلاً فرض لغة وطنية دون تطوير البنى التعليمية الضرورية لازدهارها؟ لا شك أن سبل حماية اللغة القيرغيزية تحتاج إلى مراجعة كلية، في سياق العولمة، التي، هنا أيضاً، تدق آتية بالإنكليزية، وتلقي بتهديدها المتزايد يوماً بعد آخر.


بقلم كاترينا ماركيلوفا، صحافية في رسالة اليونسكو