ISSN 1993-8616

2008 - العدد الأول


اللغة الغريبة، لنقل إنها حوت...





©اليونسكو/ Éditions Empiria
ترجمة كتاب جان بورتانت ذاكرة الحوت إلى الايطالية.

ولِد جان بورتانت في لوكسمبورغ، في كنف عائلة من أصل إيطالي. كان يستخدم اللغة اللوكسمبورغية في حياته اليومية، وقد تابع دراساته بالفرنسية والألمانية والإنكليزية، قبل أن يعمّق معرفته بالإسبانية خلال فترة أمضاها في كوبا. يحدثنا في هذا المقال عن "لغته الغريبة"... لغة مكوَّنة من لغات أجنبية عدة تتدافع في رأس الشاعر والروائي.



اللغات في رأسي مزيج ضبابي... تتداخل وتنتج "اللغة الغريبة". ففي كل مرة أكتب أو أتفوه بكلمة "شمعة" بالفرنسية ("بوجي")، يتبادر إلى ذهني صدى كلمة أخرى قريبة جداً، ولكن بالإيطالية ("بوجيا"). التعبيران كالأخوة الأعداء. فإذا كانت الكلمة، بالفرنسية، تشير إلى الاستنارة، والضوء، حتى وإن كان وميضه خافتاً أو ضعيفاً، وإلى الحقيقة نوعاً ما، فإنها تعني بالإيطالية، ودون أي لبس، "الكذب" وغياب الوضوح. عندما أكتب أو أتفوه بكلمة "شمعة" بالفرنسية، يتغلغل فيها الكذب الحامل للعتمة، ويصطدم بالإشراق.

هكذا يعيش الحوت. ففي جسمه البادي لنا كالسمكة غلَّت رئة الذاكرة البرية، الخفية للوهلة الأولى. تخفي "شمعتي"، كالرئة هذه، ما يمحوها في معناها الحميم. أو ما "يسهم في تكوينها" ومحوها في آن. لأن "شمعتي" التي ما عادت مجرد وضوح وجلاء ليست مرادفاً للاستتار. إنها الطريق المؤدية من الوضوح إلى الاستتار. كما هي حال الحوت... حيوان غير بري وغير مائي تماماً، ورحلة انطلقت من عالم الثدييات للحاق بعالم الأسماك.

قلما استرعت هذه الأمور انتباهي عندما كنت أخضع للامتحانات الدراسية في فترة المراهقة والشباب، أو أغازل امرأة أو أمارس مهنة تعليم اللغة الفرنسية. وكنت أعتبر أن البلد الجديد، لوكسمبورغ، وهبني هدية اللغات الثلاث، فكنت أستخدمها تبعاً للظروف، وأرى في ذلك عناية إلهية ومصدر سعادة عارمة! إذ كان يتسنى لي مطالعة كتب غوته وريلكه وموزيل وسيلان بالألمانية، وفولتير وبودلير ورامبو وبروست بالفرنسية، وأردد لنفسي: يا لها من نعمة. إني مدين للبلد الذي اختاره أهلي.

لكن الأمور فقدت الكثير من صفائها عندما دخلت (في مرحلة متأخرة) عالم الكتابة. فجأةً، ما عاد التعدد اللغوي يخدمني في شيء. وفجأةً، دقت ساعة الخيار، إذ لا يمكن لأحد الكتابة بلغات عدة في آن. ومع ذلك...

فجأةً، أدركت أنه على الرغم من التعدد اللغوي الذي كنت أتمتع به، لم توفر لي أي من الأدوات التي استحدثتها على طريقتي إمكانية الكتابة فعلاً. وكانت تنقصني اللغة الداخلية الآتية من بعيد إلى شفتي. تلك اللغة التي استطعت من خلالها اكتشاف نتاج دانتي وليوباردي وبافيز، كانت ميتة جداً بالنسبة لي لكي تجد طريقاً إلى كتبي.

ثم قمت برحلة أخرى لولوج عالم الكتابة، فوقع اختياري على إحدى قريبات اللغة الإيطالية، وأقصد الفرنسية. في البداية، علي الاعتراف، للأمانة، بأن اعتمادها أشعرني بالحرية والراحة. كنت كالسمكة في الماء، بعيداً عن الحوت. فقال حيواني الداخلي: نجحت دخولك إلى عالم الكتابة وبلغت بيتك الجديد... حياً.



© اليونسكو /ستيلا بورتانت
جان بورتانت خلال قراءة حديثا في إيطاليا

حكاية صغيرة معبِّرة

سأسرد الآن حكاية صغيرة وقعت في المكان الذي انطلقت منه رحلة أهلي الطويلة من إيطاليا، قبل زمن بعيد. في ربيع عام 1995، ترجِم كتابي "مفتوح مغلق" إلى الإيطالية، ودعتني كلية "لاكويلا" لفقه اللغة المقارن (فيلولوجيا) في منطقة "أبروتزو"، لتقديمه. أذكر أنني حضرت إلى قاعة الاحتفالات في الجامعة برفقة مترجمتي لاتباع عادة القراءة بلغتين. فكانت المترجمة، ماريا لويزا كالدونييتو، تقرأ ترجمتها الإيطالية أولاً، وأتابع من بعدها لإسماع لحن النص الأصلي بالفرنسية. تمرين روتيني صقلته مع الوقت. لكن في لحظة معينة، تصاعدت جلبة خفيفة يصعب تعليلها بين الحضور. وبدأ الجمهور يعبّر عن شيء من الاضطراب والتذمر في كل مرة يحين دوري لقراءة النص. وعندما شعرت أن الجلبة بدأت تخفف من تركيزي، رفعت عيني لأحدد مصدرها. فاستغل طالب كان يجلس في الصف الأمامي هذه اللحظة لمقاطعتنا.

  • - سيد بورتانت (لفظ اسمي على الطريقة الإيطالية، "بورتانتي"، بالتشديد على المقطع اللفظي الثاني)، هل أنت من أصل إيطالي أم أنا مخطئ؟
    قلت لا، ثم غيرت رأيي وهززت برأسي إيجاباً.

  • - في هذه الحال، لمَ لا تقرأ نصك بالإيطالية؟


لم يخطر هذا السؤال على بالي ولا على بال المترجمة في بداية تقديم الكتاب. فكان بالنسبة لنا أمراً عادياً أن يقرأ المؤلف النص الأصلي والمترجمة النص المترجم. أشاعت ملاحظة الطالب شيئاً من القلق والبلبلة في نفسي. فنظرت مستفسراً إلى مترجمتي، التي أفهمتني أنها لا تمانع أبداً في عكس الأدوار. وهذا ما فعلناه. أدّيت دورها، فبدأت أبيات الشعر الإيطالية تخرج من فمي وسط إعجاب الجمهور. أن يعود أحد المهاجرين إلى البلاد لقراءة أبيات شعرية كتبَت في المهجر بلغتهم ترك أثره فيهم.

اللحظة التي انقلب فيها كل شيء

« من أَنا؟ هذا سؤالُ الآخرين
ولا جوابَ له.
أَنا لُغَتي أَنا،
وأَنا مُعَلَّقَةٌ... مُعَلَّقتان... عَشرٌ،
هذه لغتي
أََنا لغتي. أَنا ما قالتِ الكلماتُ:
كُن
جَسَدي، فكُنتُ لِنَبرِها جَسَداً. أَنا ما
قُلتُ للكلمات: كُوني ملتقى جَسَدي
مع الأبديَّة الصحراءِ. كُوني كي أكونَ كما أَقولُ!»

محمود درويش،
قصيدة "قافية من أجل المعلقات"،
ديوان " لماذا تركت الحصان وحيدا"، منشورات رياض الريس للكتب والنشر، 1995



لكن سير الأمور في نفسي كان مختلفاً. إذ بدأ الحيوان الداخلي بالاحتجاج. وشعرت أن شيئاً غير مألوف كان يختلج بداخلي، وهز مشاعري، فلم أستطع تدارك الدموع. ثم تسلل إليّ حزن عميق ولم يفارقني أبداً.

ما الذي حدث؟ كنت أثناء قراءتي للنص المترجم، أكتشف شيئاً فشيئاً، بذهول، بأن ما أقرأه لم يكن قط ترجمة نصوصي. أدركت أنه فيما الكلمات الفرنسية كانت تنبعث من فمي قبل وقت قصير، وأعني قراءتي للنص الأصلي، كانت الصيغة الإيطالية قد تركت بداخلي أثرها العميق، فباتت الترجمة التي أنتجتها المترجمة هي الصيغة الحقيقية، الأصلية، لشعري، وليس النص الذي كنت قد وضعته والذي بدا لي في فمها، فجأةً، وكأنه نص مترجم. لقد انقلب الوضع رأساً على عقب.

على أثر استفهام ذاك الطالب الحاد الذهن، الذي أدين له بكشف هذه الرؤيا، فهمت أن كل ما كنت متيقناً منه حتى ذلك الحين بشأن كتاباتي كان خاطئاً. وبأنني كنت أكذب حينما أقول إني أكتب بالفرنسية. وبأن ما يُزعم بشأني لم يكن صحيحاً، ولا سيما أني كاتب باللغة الفرنسية من لوكسمبورغ، حسب التعريف المتداول. أدركت أن كتابتي، كما يفعل الحوت، تخفي داخلها رئة لغة أخرى، حتى وإن كان ظاهرها فرنسياً. أدركت أن كتابتي تتسم بشكل فرنسي، وبنفس آخر... بلحظة واحدة أدركت أني أكتب بلغة غريبة.
جان بورتانت، كاتب من لوكسمبورغ