2008 - العدد التاسع
صُنّاع الذاكرة الجماعية

|

© عزوز ديفيلوبمنت/ توبياسيجن
حملة للاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية في الكزنغو.
|
أنا في خدمة من عاشوا عام 1600 ومن سيعيشون عام 2200، يقول أيان ويلسون، الذي يشغل منصب أمين مكتبة وأمين محفوظات في كندا، وانتخب في تموز/يوليو الماضي رئيساً للمجلس الدولي للمحفوظات.
أيان ويلسون يجيب على أسئلة ينس بويل، رئيس شؤون المحفوظات، اليونسكو.
المحفوظات وحقوق الإنسان... كان ذلك موضوع المؤتمر الدولي للمائدة المستديرة حول المحفوظات الذي ترأستموه في كيب تاون (جنوب إفريقيا) عام 2003. ألا يجدر لأمناء المحفوظات أن يتركوا السياسيين يهتمون بمسألة حقوق الإنسان؟
إن عالم المحفوظات ليس عالماً جامداً لا حراك فيه. فنحن نشارك وبنشاط في صنع الذاكرة المشتركة.
في مؤتمر كيب تاون، ركزنا اهتمامنا على العلاقة ما بين المحفوظات وحقوق الإنسان وحماية الأقليات. سعدنا جداً بلقاء كبير أساقفة جنوب إفريقيا ديزموند توتو (الحائز على جائزة نوبل للسلام لعام 1984) الذي شبه المحفوظات بالسور الواقي من الأعمال الشنيعة التي لا ينبغي أبداً أن ننساها. لقد تسنى لتوتو أن يختبر ذلك بنفسه في حياته، وهو بالتالي يثق بالقوة الكامنة في المحفوظات.
زملاؤنا الذين عاشوا تحت أنظمة استبدادية قديمة في جنوب أمريكا ناضلوا للحفاظ على أثر للمفقودين، أولئك المواطنين الذين ثاروا في وجه النظام الحاكم فاختفوا عن الوجود في أحد الأيام.
هذا النوع من المشكلات نجده في البلدان الديمقراطية أيضاً. فالحكومة الكندية على سبيل المثال قدمت خلال عقود من الزمن دعمها لمؤسسات كانت تسمى "المدارس السكنية"، وهي مدارس داخلية أدارت الكنيسة شؤونها وسعت إلى إدماج أطفال الشعوب الأصلية. فقدت هذه الشعوب الأصلية لغتها وثقافتها وتنظيمها العائلي وهويتها، إلى أن قدمت الحكومة اعتذارها للناجين وأنشأت لجنة تقصي الحقائق والمصالحة. واليوم، تبذل المحفوظات الكندية قصارى جهودها لتسهيل التوصل إلى وثائق تلك المحنة الصعبة. وسوف نعمل أيضاً بالتعاون مع لجنة تقصي الحقائق والمصالحة للحفاظ على الشهادات والوثائق التي تدلي بها الأسر.
لماذا يبدو التصالح مع الماضي المرير أمراً ضرورياً لهذا الحد؟
نحن بأمس الحاجة إلى التعلم. المجتمع بأسره بأمس الحاجة إلى فهم ذاته، ومعرفة مواطن القوة والضعف الكامنة فيه، وقبول التحديات الجديدة. نحاول أن نبني في كندا مجتمعاً يكون فعلاً متعدد الثقافات، مجتمعاً يسعى إلى احترام مختلف الثقافات وإلى إدماجها فيه... لقد أُهملت محفوظات "المدارس السكنية" خلال عشرات السنين ولم يعرها أحد أي انتباه. وفي يوم من الأيام، وجد المجتمع نفسه مستعداً لمواجهة المسألة فكثرت التساؤلات حول الموضوع.
هناك دينامية مثيرة الاهتمام بين المجتمع وطريقة تحاوره مع ماضيه. دور أمناء المحفوظات هنا هو بالتحديد إتاحة الفرصة لهذا الحوار والتحقق من أن النهج الذي نتبعه للحفاظ على المحفوظات متكامل وشامل.
بأية طريق يمكن للمجلس الدولي للمحفوظات أن يدعم حقوق الإنسان؟

|

© اليونسكو/ دانا زياشيفا
رقمنة المحفوظات القديمة في منغوليا.
|
لسنا في الحقيقة مؤهلين لخوض هذه الأشكال النضالية. لكن بالمقابل، فإن إحدى الرسائل التي حاولنا تمريرها خلال مؤتمر كيب تاون هي مساندة زملائنا القابعين تحت نير أنظمة سياسية قمعية والذين يبذلون وسعهم في ظروف صعبة جداً لحماية محفوظاتهم.
يمكننا مثلاً مناشدة بعض هيئات منظمة الأمم المتحدة التي بوسعها مساعدتنا والضغط من أجل لفت الأنظار إلى أهمية المحفوظات. كما ويمكننا التشاور مع منظمة العفو الدولية.
هل يقع على عاتق المجلس الدولي للمحفوظات برأيكم اتخاذ موقف إزاء انتهاكات "حقوق المحفوظات" الأساسية، كالإتلاف المنهجي للمحفوظات مثلاً أو إنكار حق المواطنين في الوصول إلى المحفوظات؟
بوسع المجلس الدولي للمحفوظات تعبئة شبكته حول إحدى عناصرها المؤلفة الأساسية، أعني بذلك النقابات المهنية المنتشرة حول العالم. فهو يمكنه القيام بدور المراقب، وجمع المعلومات حول ما يدور ونقلها للنقابات المهنية، وإرشاد النقابات إلى الطريقة المثلى في التواصل مع الحكومات الوطنية وغيرها من الهيئات المختصة. كل ذلك يتوقف على الصلاحيات والقدرات التي يمتلكها المجلس الدولي للمحفوظات، غير أن إمكانياته في التعبئة ونشر الرسائل الإخبارية وتقديم المقترحات تبقى محدودة. هناك ما نرغب بتحقيقه من جهة، وما نستطيع بالفعل تحقيقه من جهة أخرى.
ما هو دور المحفوظات وإدارة المحفوظات في المجتمعات التي تشهد حالات نزاع وحالات ما بعد النزاع؟ هل تدخل مسائل كالحوكمة وبناء الديمقراطيات ضمن أولويات المجلس الدولي للمحفوظات؟
علينا أن نتعلم كيف نؤثر بشكل أكثر فعالية. سبق وزرت برفقة أمين المحفوظات الأمريكي آلين فاينشتاين زملاءنا في إسرائيل وفلسطين. نظرنا عن كثب إلى أهمية المحفوظات المشتركة بينهم في تنمية التفاهم المتبادل لسكان منطقة معقدة للغاية لكن يتشاطر فيها السكان فعلاً جزءا من تاريخهم.
لهذين الشعبين احتياجات شبيهة. كل من السلطة الفلسطينية والمحفوظات الإسرائيلية عبر لنا عن اهتمامه بجمع وترقيم المحفوظات التي يريان فيها مصلحة مشتركة. المحفوظات الإسرائيلية بدت سخية جداً حين أعربت عن نيتها في ترقيم عدد من المحفوظات التي ورثتها عن البريطانيين ومشاطرتها مع الآخرين. هل تعلمون أن بحوزتهم معطيات إحصائية ترجع إلى الدولة العثمانية؟ ألا يمكننا وضع تلك المعطيات على الشبكة وفتح الباب أمام الجمهور لتصفحها؟ يوجد في إسرائيل أيضاً كميات هائلة من الصحف الفلسطينية للحقبة الممتدة من العشرينيات إلى عام 1948... هذه الصحف في حالة يرثى لها، ومعرضة للإتلاف والزوال، وبحاجة إلى المحافظة عليها. في حالات مماثلة، بوسع المجتمع الدولي أن يلعب دوراً فعالاً، لكنني غير واثق من هذا الدور في بلدان تعيش أزمة عميقة كأفغانستان أو السودان.

|

© اليونسكو/ جوا سبيوغر
أرشيف في هايتي
|
ما هي العلاقة التي تجمع بين المحفوظات والحقيقة والذاكرة والتاريخ؟
في اعتقادي، إن المحفوظات تشكل المادة الأولى الأساسية. إنها وسيلة التواصل بين مختلف الحقبات. ما نقوم به هو جعل الحوار بين الأجيال ممكناً، والتحرك وكأننا أمام بُعد رابع. المواد التي نحافظ عليها ونصونها، وتلك التي نرثها ممن سبقنا ونضفي عليها من صنيعنا، كلها تدخل في إطار عملية التواصل. فكل جيل يطرح أسئلة عن ماضيه حسب ما لديه من مشاغل مستقبلية. وبالتالي، فالمحفوظات بنظري هي المستقبل بعينه.
إن المشكلات المتعلقة بحقوق الإنسان مهمة جداً في يومنا الحاضر بالنسبة للمجتمعات. كما سبق وذكرت، محفوظات كثيرة خاصة بحقوق الإنسان تُركت على الرفوف الجدارية طوال عقود من الزمن ولم يهتم بها أحد، كما جرى في كندا مثلاً. ولم نتمكن من استخدام هذه المحفوظات إلا بعد أن أبدى المجتمع جهوزيته للإطلاع على الموضوع واستخلاص العبر منه.
أما مفهوم الحقيقة فهو إشكالية بحد ذاتها. إن توثيق مجتمع بأكمله، بما فيه من تعقيدات وتعددية، للوصول إلى الحقيقة التامة أمر مستحيل دون شك.
لكني واثق من أن ماهية المحفوظات هي بالتحديد ذلك الحوار الممكن بين الأجيال. 30 مليون نسمة يعيشون اليوم في كندا، لكني في الحقيقة في خدمة 300 مليون كندي... فأنا أسدي الخدمة لمن عاش عام 1600 ومن سيعيش عام 2200.