ISSN 1993-8616

2008 - العدد التاسع


إسبانيا: ميثاق الصمت






© طوني سينيكولا
حقيبة تحتوي شرائط صور عن الحرب الأهلية الإسبانية.

70 عاماً بعد انتهاء الحرب الأهلية الإسبانية، مازال العدد الحقيقي لضحايا قمع قوات الجنرال فرانكو مجهولاً، ومازال ألوف الأشخاص يجهلون مكان دفن رفات أقربائهم. إسبانيا لم تتخذ أية إجراءات من شأنها تحديد المسؤوليات أو إدانة المذنبين، وهي تطوي اليوم بصعوبة هذه الصفحة الموجعة من تاريخها.




في شهر آب/أغسطس الماضي، أمر بالتازار غارثون، الذي يشغل منصب القاضي لدى المجلس الوطني (إحدى أكبر هيئات القضاء في إسبانيا)، بفتح تحقيق أولي بقصد تحديد مكان دفن الأشخاص الذين فُقدوا في فترة الحرب الأهلية وفترة ما بعد الحرب. حدث بارز في بلد اضطر سكانه لفترة طويلة إلى تناسي هذه الظاهرة رغم معرفتهم جميعاً بها، إلى أن قامت منظمة العفو الدولية ومنظمات غير حكومية أخرى بالإبلاغ عنها عام 2004.

30 عاماً مضت على موت الجنرال فرانكو، و70 عاماً مرت على انتهاء الحرب الأهلية، ولكننا مازلنا نجهل تماماً عدد الضحايا الحقيقي. ألوف الناس يفتقدون اليوم للمعلومات المجدية بشأن مكان تواجد رفات أقربائهم.

على عكس بلدان أوروبية أخرى تمكنت من التخلص من أنظمتها الديكتاتورية في الفترة ذاتها، لم تتخذ إسبانيا أية إجراءات من شأنها تحديد المسؤوليات أو إدانة المذنبين. أما المحفوظات، فقد أخفيت لتعميم ميثاق الصمت الذي فرضته الفعاليات السياسية ضمنياً في المرحلة الانتقالية ثم أقره قانون العفو العام في 1977. هذا القانون، رغم سماحه بالإفراج عن المعارضين لنظام فرانكو وبعودة المنفيين، أعفى تماماً من المسؤولية العسكريين وكبار المسؤولين في النظام السابق والذين يشتبه أنهم قاموا بشتى أنواع الجرائم.

مجموعات عديدة من البيانات أتلفت أو أضيعت، في حين تعذر التوصل لبيانات أخرى لعقود طويلة من الزمن. واليوم، حتى وإن كان مسموحاً للجمهور بالإطلاع عليها، فإن أبرز مصادر المعلومات التي تتعلق بنظام فرانكو القمعي لا يمكن استغلالها بسبب وضعها الرديء. والأنكى من ذلك هو أن الحكومات التي توالت منذ العام 1977 عجزت كلها عن تنظيم محفوظات العدالة العسكرية، فوقعت هذه المحفوظات في فراغ قانوني شامل.

معرفة الماضي


© جميع الحقوق محفوظة
مدريد، نيسان/ أبريل 1939: مظاهرة بمناسبة انتهاء الحرب الأهلية.

لكن إسبانيا لم تقو على البقاء مطولاً بعيداً عن التحرك الدولي الذي ظهر في التسعينيات وطالب بمعرفة الحقيقة حول ما جرى من جرائم وأعمال غير الإنسانية. قارب هذا التحرك بين استعادة الذاكرة وتقصي الحقيقة والمطالبة بالعدالة، وجعل تلك المسائل تدور حول محور واحد. بعد تجربة لجان تقصي الحقائق، وبعد إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في 1998، وبعد الاتهامات التي وجهها القاضي غارثون شخصياً إلى بينوشيه وغيره من منفذي الأحكام الأرجنتينيين، ظهرت في ربوع إسبانيا جمعيات كان مطلبها الأول استعادة الذاكرة التاريخية.

أعلن مجلس النواب الإسباني عام 2006 "عام الذاكرة التاريخية"، وسرعان ما أضيفت معرفة الماضي إلى أجندة حكومة رودريغيز ثاباتيرو الأولى (نيسان/أبريل 2004-آذار/مارس 2008) التي شهدت إصدار قانون الذاكرة التاريخية.

الذاكرة التاريخية خارج القانون


© رينيه سوليس
أرشيف صور جيردا تارو عن حرب اسبانيا (المركز الدولي للفُوتُوغْرافِيَا في نيويوك).

بيد أن النوايا الحسنة التي أعربت عنها الحكومة الجديدة لم تؤد كلها بالضرورة إلى وضع استراتيجيات تعنى بالمحفوظات. فالإجراء الوحيد الذي قامت به الحكومة الإسبانية في هذا المجال اقتصر على إنشاء المركز التوثيقي للذاكرة التاريخية عام 2008، وقد أثار الأمر حرباً كلامية حينها ومازال الغموض يكتنف هيكلية المركز وطبيعة عمله.

بالمقابل، فإن مجموعة البيانات العسكرية ذات الطابع السري (والتي تحتوي في بعض الأحيان على وثائق يرجع تاريخها إلى 1905، وبالأخص على كم هائل من الوثائق تعود إلى فترة 1936-1977) مازالت موصدة الأبواب ويستحيل الإطلاع عليها. أما محفوظات المحاكم العسكرية، فلن يتسنى استغلالها ما لم يخصص لها موضعاً مناسباً وما لم تكلف هيئة ما بإدارتها.

من جهة أخرى، فإن المحفوظات العامة للإدارة والمحفوظات التاريخية الوطنية لا يمكنها استقبال أية مجموعات جديدة من البيانات، نظراً لاكتظاظ مخازنها. كما وأن عدد موظفيها المتواضع لا يمكّنها من مواجهة التحديات الكبيرة التي تنتظرها.

ليست إسبانيا بحاجة إلى إعلانات جديدة بشأن أهمية معرفة حقيقة ماضينا، تكتيك كلامي لطالما عمد إليه السياسيون للتميز عن خصومهم، بقدر ما هي بحاجة إلى اتخاذ إجراءات عملية حول مسألة المحفوظات. ما نحتاج إليه تحديداً هو قانون ينظم الوصول إلى المعلومات، وآخر يحدد بوضوح سير نظام المحفوظات ويعرّف بمسؤوليات وصلاحيات كل طرف في ما يتعلق بتراث البيانات.

أنطونيو غونزاليس كينتانا، رئيس جمعية أمناء المحفوظات الأسبان.