2008 - العدد التاسع
حقوق الإنسان غير قابلة للتصرف أو التجزئة

|

© اليونسكو / د.بجيلجاك
ستيفان هيسيل في اليونسكو (2008).
|
شارك ستيفان هيسيل، الدبلوماسي والكاتب الفرنسي الألماني الذي مر بمعسكرات الاعتقال النازية، في تحرير الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948. وهو يشرح لنا سبب تميّز هذا الإعلان الشهير، ولماذا ينبغي الحفاظ على طابعه الشمولي، ولماذا يستبعد اعتماده في الوضع الراهن...
ستيفان هيسيل يجيب على أسئلة الصحافي الفرنسي فانسان نوس.
كيف كان الجو لحظة تبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟
كانت اللحظة لحظة انفراج بعد الشدة... يجب التذكير أننا في تلك الفترة كنا نشهد مواجهة متصاعدة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي. ثلاثون من الدول الخمسين الأولى الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة كانت دولاً غربية، وبالتالي فالمعركة لم تكن محسومة. سبع دول امتنعت عن التصويت. لكن بما أن نظام عد الأصوات لم يأخذ بالحسبان سوى الأصوات الإيجابية أو السلبية، فقد اعتمد الإعلان بالإجماع. انعقاد الدورة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة (التي تبنت الإعلان) في قصر شايو بباريس جاء صدفة، فالمبنى الذي من المنتظر أن يصبح مقر الأمم المتحدة كان قيد الإنشاء في منهاتن. أما الصحافة، فكانت مفعمة بالحماسة لكنها لم تكن تتابع عن كثب مجريات الأمور في الأمم المتحدة، لاسيما بين الدول الأوروبية التي تبنت مواقف جد وطنية.
ماذا بشأن الأعمال التحضيرية؟
|

© الأمم المتحدة
تم اعتماد الاعلان العالمي لحقوق الانسان في باريس عام 1948.
|
عقد الاجتماع الأول للهيئة المصغرة في مطلع 1946 في منهاتن، وكانت الأمانة العامة تنزل حينها في لونغ آيلند في مصنع لمعدات الملاحة الجوية محول الاستعمال. كنا نجتمع تارة في نيويورك وتارة في جنيف. الفرنسي رينيه كاسان كان من أبرز الشخصيات التي شاركت في الأعمال التحضيرية. بفضله تمكنا من صياغة نص طموح وفريد من نوعه في تاريخ نصوص الشرعية الدولية. كنا نعمل تحت إشراف كل من هنري لوجييه (الطبيب الفرنسي)، والذي كان حينها وكيل الأمين العام للمسائل الاجتماعية وشؤون حقوق الإنسان، والكندي جون هامفري، رئيس حقوق الإنسان. كان هامفري أكتع، فنالت هيئتنا شيئاً من الهيبة والوقار حين ظن الآخرون أنه من معوقي الحرب (بتر ذراعه الأيسر في الحقيقة في فترة طفولته).
بعد ذلك، نابت عن الهيئة المصغرة لجنة حقوق الإنسان فور تشكيلها في عام 1947، وترأستها إليانور روزفلت، التي اضطلعت بدور فعال.
تجدر الإشارة إلى أن المشاركين لم يمثلوا حكوماتهم. الحكومات قامت فقط باقتراح اسم كل مشارك بحسب مواصفاته، أما قرار الاختيار فكان من مهام الأمين العام. أعطانا هذا الأمر مطلق الحرية للتحرك، لكننا مع ذلك أخذنا كافة الاحتياطات لعدم إحراج الدول. رينيه كاسان لم يقدم تقريرا للحكومة الفرنسية.
أما أنا، فقد عُينت رئيساً لمكتب هنري لوجييه في شهر شباط/فبراير 1946، ما سمح لي بالمشاركة الفاعلة في تلك الأعمال. بقيت أربع سنوات في الأمم المتحدة وكان الوضع استثنائياً في ذلك الوقت. جو الهيجان والتفاعل الذي أحاط بنا أدى إلى ظهور المنظمة على شكلها الحالي.
بخصوص عمل اللجنة، ظهرت بعض المعضلات كتلك الخاصة بمكانة الأقاليم المشمولة بوصايا على سبيل المثال. كنا وقتها في عهد الإمبراطوريات الكبيرة. لكن التوتر الأساسي كان وليد التناقض بين الاهتمام الذي أولاه الغرب بمسألة الحريات، والحرص قبل كل شيء في الدول الشرقية على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
هل أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "فريد من نوعه" فعلاً؟
يصرح الإعلان في مستهل ديباجته أن كرامة الإنسان حق معترف به عالمياً. ذلك كان هدفنا الأسمى بعد أن شاهدنا أبشع الفظائع، من أوشفيتز إلى هيروشيما... لقد وجدت الدول نفسها تحت قيادة حكيمة لا يمكن إنكارها لروزفلت، وفي إطار هيئة قوية تضمن حقوق الفرد وحرياته.
كان هدف عصبة الأمم (قبل إنشاء الأمم المتحدة البديلة) الحفاظ على السلام، لكنها لم تأبه بالإنسان كفرد. أما إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عام 1789، فكان يهدف إلى حماية المواطن من استبداد السلطة الملكية. إيديولوجيا حقوق الإنسان برمتها باتت تتوسط بين السلطة ومن يعانون منها. الجريء في الأمر كان تعميم تلك الحماية على المستوى الدولي، لا بل العالمي.
جرى التجديد على الصعيد التالي: نحن مسؤولون عن كرامة الإنسان وحقوق الفرد. وهذا مبدأ الديمقراطية بطبيعة الحال. بعبارة أخرى، الحكم ليس طمعاً بالسلطة بل ضمانة لسير المجتمع الديمقراطي. قلنا إن الحكومات بوسعها أن تعتبر مسؤولة عن حقوق مواطنيها. كما نادينا أيضاً بالمسؤولية العالمية لحقوق الإنسان، وكلمة "العالمية" في هذا السياق جوهرية.
كيف تشرحون بالتالي جلوس نظام الخمير الحمر في الأمم المتحدة؟
|

© أرجون بوركاياسا
متحف المحرقة في فنوم بين في كمبوديا.
|
لم يكن هناك معايير للانتساب إلى منظمة الأمم المتحدة كالتي يفرضها الأوروبيون اليوم على الدول الجديدة التي تود الالتحاق بالاتحاد الأوروبي. في الأمم المتحدة، قُبلت الدول تلقائياً فور استقلالها. أمر لا بد منه رغم عواقبه المحتملة. لكن رهان الأمم المتحدة كان التالي: يجب أن تصبح الدول أعضاء في المنظمة ومن ثم تستدرج من الداخل إلى احترام حقوق الإنسان.
هناك إذاً صراع جوهري بين دبلوماسية السلام ودبلوماسية حقوق الإنسان...
نحن هنا أمام تنازلات على صعيد التعاون. حين نذكر دبلوماسية حقوق الإنسان، هذا يعني بطبيعة الحال أن ننال موافقة الدول. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ليس اتفاقية ملزمة بالرغم من العهدين التابعين، وهما صكان قانونيان صدقت عليهما الدول (العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وقد اعتمدتهما الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1966). بوسعنا تشجيع الدول على التصديق على العهدين، وبوسعنا أن نقول للدول: احترسي، سوف نقيم دعوى ضدك أمام لجنة حقوق الإنسان! لكن في واقع الحال لم تتخذ أية إجراءات من شأنها استبعاد الدول سوى حول مسألة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
يرى البعض في حقوق الإنسان قيماً محض غربية.
إن حقوق الإنسان غير قابلة للتصرف أو التجزئة. يجب مواجهة النزعات النسبوية دون تقصير أو كلل. لا يمكن الدفع بالاختلافات الثقافية لإنكارها بعد حين. ثم إن الدول الغربية ليست معصومة عن الجرم. انظروا إلى غوانتانامو وأبو غريب... كون تلك الدول في المعسكر الغربي لا يعفيها من المسؤولية. يجب إذاً مواصلة احترام مبدأ الشمولية. هذا الأمر أساسي.
قد يتساءل المرء إذا كان اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان اليوم مضموناً كما جرى عام 1948؟
لا شيء يدعو إلى التفاؤل اليوم... إن الصدمة التي ولدتها الحرب العالمية الثانية هي التي سمحت حينها بذلك التدبير الجذري. لكن من المعقول جداً أن نجد أنفسنا في الفترة القليلة القادمة أمام صدمة مماثلة ناجمة مثلاً عن عدم الحفاظ على كوكب الأرض أو عن أزمة التمويل الطائشة على مستوى الاقتصاد العالمي. الخوف من تأزم الوضع البيئي قد يسمح بتحرير نص شبيه بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان خاص بالبيئة، وهذا أمر لم يكن ممكناً قبل ستين عاماً.