ISSN 1993-8616

    2008 - العدد التاسع


    مؤشرات





    © لو سوليي
    جوزيف كي-زيربو

    إعادة الكرامة لإفريقيا

    "الأستاذ"، هكذا كان مواطنوه يلقبونه. عقيدته: "إشراك العلوم والأخلاقيات والحياة إلى أقصى حد ممكن" من أجل "عالم آخر". اسمه: جوزيف كي-زيربو. ولد في توما (بوركينا فاسو) في 21 حزيران/يونيو 1922 وفارق الحياة في 4 كانون الأول/ديسمبر 2006 في واغادوغو.

    جوزيف كي-زيربو من الآباء المؤسسين للتأريخ الإفريقي الحديث الذين أصدروا "تاريخ إفريقيا العام" الضخم بمجلداته الثمانية (منشورات اليونسكو، 1970-1990). كان عضواً في اللجنة العلمية الدولية المكلفة بتحرير هذا العمل المشترك والرائد، ولعب دوراً بارزاً في صياغته.


    الأستاذ
    جوزيف كي-زيربو أول أستاذ إفريقي حائز على درجة أستاذية في مادة التاريخ، عام 1956.

    نالت أغلبية البلدان الإفريقية استقلالها في الستينيات من القرن الماضي، وفي هذا السياق بالتحديد ظهرت مسألة إنهاء الاستعمار عن التاريخ كضرورة ملحة. نظريات عديدة كتلك التي دافع عنها الفيلسوف الألماني هيغل مثلاً، مصرّاً على إبقاء إفريقيا على هامش التاريخ ("اللاتاريخية")، كان لها تأثير واسع النطاق على المقاربات الأوروبية البحتة بخصوص الماضي الإفريقي، والذي اعتبر ذيلاً تابعاً لتاريخ أوروبا ليس إلا. مجمل التراث الشفهي الإفريقي كان بنظر "عبدة النصوص" مجرد "ذاكرة رتيبة" غير موثوقة يستحيل الاعتماد عليها كمصدر تاريخي بكل معنى الكلمة. مقاربة مماثلة كانت لا تتجاهل خزان التراث الشفهي الموجود في إفريقيا فحسب، بل أيضاً التراث المكتوب القديم كما في مصر واثيوبيا ومالي (تمبكتو) ونيجيرا (كانو) وتنزانيا (كيلوا)...

    حمل جوزيف كي-زيربو، إلى جانب شيخ آنتا ديوب السنغالي، لواء إنهاء الاستعمار عن تاريخ إفريقيا. وكان للدور الذي لعبه كمثقف أثراً بارزاً في أوساط "جيل 1956" الذي وضع حجر الأساس لتاريخ إفريقيا "من داخل القالب الإفريقي" بعد تخليصه من الآراء المسبقة العنصرية. ابتعد "الأستاذ" عن المقاربات العتيقة والمناهج البالية غير الجديرة بكتابة ماضي القارة الإفريقية، وأجهد نفسه في نزع الاعتراف بأن التراث الشفهي الإفريقي مصدر تاريخي موثوق حاله حال المصادر المدونة أو الأثرية الأخرى. وأعاد النظر في مفهوم ما قبل التاريخ السائد، الذي يشير إلى فترة التطور البشري التي سبقت الكتابة واتسمت بالإبداعية لاسيما على القارة الإفريقية. كما وأشرف على تحرير المجلد الأول من "تاريخ إفريقيا العام" وهو من منشورات اليونسكو (1970-1990)، والمخصص لعصور ما قبل التاريخ في إفريقيا وللمسائل المنهجية.

    من جهة أخرى، فإن كتاب "تاريخ إفريقيا السوداء، بين الأمس والغد" (1972) إنجاز عظيم مهّد الطريق لمنهج جديد معني بالتاريخ الإفريقي حاول تحديد "العمليات الداخلية والخارجية على السواء" بشأن إفريقيا والتي بإمكانها شرح تطور القارة على المدى الطويل.

    المؤرخ في المدينة


    © جميع الحقوق محفوظة
    جلدة كتاب "إفريقيا متى؟" لجوزيف كي-زيربو.

    لا يمكن تحليل نتاج جوزيف كي-زيربو الفكري بمعزل عن التزامه السياسي منذ سنواته الجامعية ومشاركته الفاعلة في تأسيس عدد من الحركات المختلفة على رأسها حركة التحرير الوطني (1958) التي نادت باستقلال القارة الإفريقية ووحدتها. فقد اهتم هذا المناصر الكبير للوحدة الإفريقية وللزعيمين الغاني كوامي انكروما والكونغولي باتريس لومومبا بتحويل اقتناعاته الشخصية إلى أفعال طيلة سنوات حياته. وفي هذا الجو تحديداً نشأت جمعية المؤرخين الأفارقة، التي كان أحد أعضائها المؤسسين والتي ترأسها بين 1972 و2001. دأب كي-زيربو على الدفاع عن كرامة الإنسان وكان على كل الجبهات كلما تطلب الأمر.

    بالنسبة لجوزيف كي-زيربو، "المؤرخ الحقيقي هو المثقف في المدينة. إنه المثقف العضوي المتجذر في بيئته لكن الحريص في الآن ذاته على الحفاظ على تلك المسافة التي لا تجعله مناصراً لقضيته فحسب". تحليلاته القيمة والمنيرة حول تحديات عصرنا الحاضر (التنمية، العولمة، التربية، البيئة، الهوية، إلخ) أدت إلى ظهور مؤلفات غزيرة ذاع صيتها: "التعليم أو الهلاك" (1990)، "بورية الآخرين" (1992)، "إفريقيا متى؟" أما ما تحتويه مجموعة أعماله من علوم وحكم فهي تعطيها طابعاً شمولياً إذ تنحدر من نزعة إنسانية مستوحاة من القيم الإفريقية الثابتة وتدعو إلى التحلي بصفة الغيرية (دون التعرض لخطر الاستلاب) أملاً في بناء "عالم آخر" قائم على التضامن والاحترام المتبادل.

    دولاي كوناتي, ، أستاذ في جامعة باماكو ورئيس جمعية المؤرخين الأفارقة.

    في عام 2004، أخرج داني كوناتي فيلماً وثائقياً عن حياة جوزيف كي-زيربو بمشاركة منه. الوثائقي "هويات وهوية لإفريقيا" متوفر لدى المركز الإفريقي لدراسات التنمية الإفريقية الذي أسسه جوزيف كي-زيربو عام 1980.