ISSN 1993-8616

2009 - العدد الثاني


القردة والعقرب والكوبرا





© اليونسكو/ إيف بيرجوريه
حسب التقليد، تعتبر حية الكوبرا حارسة لغة تورو تيغو التي ينطق بها شعب الدوغون شمال مالي.

الحجر كلمة مشوبة، والماء كلمة ضاحكة، والحبة المزروعة وعد مقطوع... في لغة تورو تيغو التي ينطق بها اليوم نحو 5.000 شخص من شعب الدوغون شمال مالي، كل عنصر من عناصر الواقع هو أيضاً جزء لا يتجزأ من اللغة.



إنها إقامتي المهنية العشرين مع الرسامين الدوغون في كويو الواقعة على قمة جبلهم الأنبوبي الشكل في شمال البلاد. نستلقي في الظلمة الحالكة على حصر من القصب أمام البيت المبني من الطين في وسط القرية التي أوفدت إليها. الرسامون الفلاحون منهكون مثلي ولكن فرحون بالقصائد المرسومة على القماش الذي صنعناه تحت الشمس الضاربة منذ قليل. يحضّر أصغر الرسامين الشاي ويدور الحديث حول الآباء الأولين.

ألم شديد ينخز يدي اليسرى بغتة. ألقي الضوء عليها بواسطة مصباح الجيب. عقرب لسعني للتو. أقتله. أكاد أجن للوهلة الأولى وأراني أتصور انتهاء كل شيء بعد ساعة من الزمن. سرعان ما أقول لنفسي إن لدي نصف ساعة من الهدوء (النسبي) قبل عودة التشنجات. أستنجد زعيم القرية عله يتكرم علي بعلاج دوغوني تقليدي لهذا السم. "كلا" يجيب، لكنه يضيف "تمهل قليلاً، سوف ترى". يتابعون الحديث. يدي ملتهبة والآن حان دور ذراعي الذي يؤلمني. لكن كل شيء ينتهي بعد ساعتين من الزمن وأنام نوماً هنيئاً وينام زعيم القرية إلى جانبي. ما هذا اللغز يا ترى؟

بعد الواقعة بثلاثة أيام، يقصد ثمانيتنا (الرسامون الستة والزعيم وأنا) سفح الجرف عند قسمه الأعلى، على مسافة عشرة كيلومتر تقريباً من القرية حيث يهطل الشلال الغزير بعد كل عاصفة من عواصف فصل الأمطار. هذا المكان الذي يرعد الماء فيه ويتكلم ويغني معظم فصل الصيف مكمن لأساطير عدة. كهوف تحميها مسارّات الأقدمين التقليدية وتزينها نقوش قديمة جداً. لكني أعرف أيضاً أنها مسكن حيات الكوبرا المريعة. أسأل الرسامين عن الموضوع مستفسراً عن وجود عقار لسم الكوبرا. "كلا. اجلس. سوف نشرح لك!"



© اليونسكو/ إيف بيرجيريه
بالنسبة للقرويين من كويو، تحول قمة الجبل الكلام إلى سلطة. سلطة الكلام تضعف مع نزول المنحدر.

الواقع برمته كلمة

هنا أجمع ما بُلّغته اليوم صباحاً وآنفاً بواسطة الإشارات المنقوشة التي يبتدعها الرسامون حين نعبّر في قصائدنا المرسومة عن الحياة الخالدة في هذه الأرجاء.

الواقع برمته عبارة عن كلمة. كلمة ناجزة ناضجة منطوية في هضبة الجبال العليا. الحصي المستديرة أو المفلطحة الجميلة هي كلمة وزونة مشوبة، والماء كلمة ضاحكة، والسماء تجسيدها البعيد، والغيم محبلها، والمطر صخبها البشوش. أما الحبة المزروعة فهي وعد مقطوع، وحين يطلق الفلاح صوته مغنياً فهو يزيدها خصوبة.

اللغة التي يتداولها مرافقي تسمى تورو تيغو، أي "كلام الجبل". إنها إحدى لغات بلاد دوغون الخمس عشرة والتي ينطق بها نحو 5.000 نسمة. ويطلق أعضاء هذه المجموعة الإثنية من الدوغون على نفسهم اسم تورو نومو، أي "سكان الجبل".

ميزة سكان بلدة كويو، وعددهم 500 شخص، أنهم يحيون خصوبة الكلام عبر الممارسات الزراعية والطقوس. تتألف الطائفة من مجموعات صغيرة مكونة من 6 إلى 8 أعضاء تجمعهم علاقة أبدية ويتناولون مجتمعين وجبة طعام على الأقل كل يوم. هناك المجموعة المكلفة بالاهتمام بمخازن الغلال، "مخازن الكلام" كما يقولون، وهناك مجموعة شعائر الاستسقاء، ومجموعة صيانة الدروب المؤدية إلى المنحدر الصخري، وما إلى ذلك... ولكل مجموعة سلفها المرجعي بطبيعة الحال وهي لا تقدم على عمل إلا لهناء الطائفة كلها.

الانسجام الفعال للواقع تعيد صياغته بانتظام الأناشيد والرقصات الليلية التي تؤديها مجموعة مختصة من "النساء البالغات". في خطواتهن، ترسم الراقصات دورياً حركة أفقية واسعة بيد اليمين وكأنهن ينثرن الكلام كما ينثر المزارع البزور.



© اليونسكو/ إيف بيرجيريه
"بيوت الرسامين"، نرى رسمة الأفعى على اليمين.

الكلمة المباشرة

الرسامون وزعيم القرية وأنا (شاعر الكلمة المكتوبة) نشكل منذ العام 2002 مجموعة كلام. فوق القماش أو الورق الذي نبسطه على المسطح الصخري كما يُبسط التيرب الناعم على محاصيل البساتين، أضع أنا "بزور" القصيدة ويضعون هم "بزور" النقوش. تعرض هذه اللوحات النسيجية أو الورقية بعد ذلك في شتى أنحاء العالم ما يؤمن للبلدة ريعاً وتمويلاً. هكذا تمكنا من بناء مدرسة، وخمس مماسك مائية ضاعفت مساحة الأراضي الزراعية، وثلاثة "بيوت رسامين" يمكن زيارتها، وإلخ، وذلك في إطار مشروع تطوير القرية (انظر مقالة "كويو، مجال للحوار بين ثقافتين"، "رسالة اليونسكو"، العدد 4، 2008).

لمجموعتنا سلفان مرجعيان اثنان لأنها سرعان ما انبثقت عنها مجموعات كلام أخرى كلفت بصيانة المدارس و"بيوت الرسامين" وغيرها من منجزات مشروع التطوير الذي أقمناه. يقول لي الرسامون "قررنا أنك من اليوم فصاعداً من الدوغون. عليك أن تضيف اسم سلفيك إلى نسبك. كان آخر غريب ضممناه إلينا منذ خمسة قرون. هو من رسم النقوش في إحدى الكهوف بالقرب من الشلال الكبير. إنه أحد أسلافنا المرجعيين. لكنه أصبح الآن الغريب ما قبل الأخير، فالغريب الأخير هو أنت".

يعتقد قوم تورو نومو أن كل ما يكتنزه الجبل في قمته كلام مباشر فعال ومتناسق. والحيوانات أيضاً عناصر تكونه. لكن كل ما يهبط من هذا الارتفاع تحت مستوى الهضبة (كالوديان والخوانق بل وحتى السهول التي تمتد على أربعين كيلومتر وتفصل بين الهضبتين) يحمل الاسم ذاته: بوندو. الكلمة هشة في بوندو، لا شكل لها، متقلبة وغير واثقة من نفسها. إنها عموماً كلمة مربي الحيوانات الرحل الذين يهيمنون كالإقطاعيين على السهول منذ عصور قديمة.

يضيف الرسامون "تكثر القردة عندنا وهي تهيج الكلام وتلحق به الاضطراب. لكن العقارب والكوبرا مخلوقات تدافع فيها الكلمة عن ذاتها. إذا فاجأت هذه المخلوقات رجلاً غريباً قتلته. أما نحن فلا تهاجمنا أبداً".

"الآن فهمت لماذا لسعني العقرب في تلك الليلة!"

"كلا، لم تفهم جيداً. ركز قليلا! أنت تنطق لغة تورو تيغو. لقد أصبحت من الدوغون. لقد أخطأ العقرب حين لسعك. من منكما لاقى مصرعه، أنت أم هو؟"


إيف بيرجوريه، شاعر فرنسي.