ISSN 1993-8616

العدد الرابع 2007


آنا ، قتلت لأنها وحيدة






©اليونسكو
آنا بوليتكوفسكايا

للمرة الأولى، مُنحت الجائزة العالمية لحرية الصحافة اليونسكو – غييرمو كانو هذا العام للصحافية الروسية آنا بوليتكوفسكايا بعد وفاتها. ولم تتوقف بوليتكوفسكايا، حتى اغتيالها، عن تغطية الأحداث في الشيشان رغم الخوف والتهديدات المتواصلة.
















أنشئت الجائزة العالمية لحرية الصحافة اليونسكو – غييرمو كانو عام 1997 بقرار من المجلس التنفيذي لليونسكو على اسم مدير الصحيفة الكولومبية "الإسبكتادور"، غييرمو كانو، الذي اغتيل عام 1986، على يد بارونات المخدرات. وهي تهدف إلى مكافأة شخص أو مؤسسة أسهمت في الدفاع عن حرية الصحافة. تبلغ قيمة الجائزة 000 25 دولار أميركي، وتمنح بناءً على توصية لجنة تحكيم مستقلة. ويُحتفل هذا العام، الذي يسجل العيد العاشر لتأسيس الجائزة ويصادف مع الذكرى العشرين لرحيل مدير الصحيفة، باليوم العالمي لحرية الصحافة في 3 أيار/مايو في ميديلين (كولومبيا)، مسقط رأس غييرمو كانو.

كانت تقول إن "الكلمات يمكن أن تنقذ أرواحاً". مع ذلك، أودت الكلمات بحياتها. كانت واثقة من أن شهادتها يمكن أن تسهم في تغيير العقول. اغتيلت آنا بوليتكوفسكايا يوم السبت 7 تشرين الأول/أكتوبر 2006. سقطت بطلقات نارية فيما كانت عائدة إلى منزلها الكائن في شارع ليسنايا في موسكو. وبعد أيام معدودة على وفاتها، نشرت صحيفة "نوفايا غازيتا" (التي تصدر بمليون نسخة)، حيث كانت تعمل آنا مراسلة صحافية، مقالها الأخير حول الشيشان، وكان لم يكتمل بعد.

وفي تحية لشجاعتها والتزامها، قرّر مدير عام اليونسكو، بناءً على توصية لجنة تحكيم دولية مستقلة، منحها الجائزة العالمية لحرية الصحافة اليونسكو – غييرمو كانو لعام 2007 بعد وفاتها، وهي سابقة من نوعها. كما حيّى رئيس لجنة التحكيم كافي شونغكيتافورن "الصلابة المذهلة" التي تحلَّت بها آنا بوليتكوفسكايا والتي كانت تدفعها إلى "مواصلة تغطية أحداث الشيشان فيما كان العالم برمّته قد حوّل أنظاره عن هذا النزاع". "تعني هذه الجائزة الكثير لنا، نحن زملاؤها في صحيفة "نوفايا غازيتا". إنها تدعمنا، وتشجعنا على متابعة العمل" يؤكد فياتشيسلاف إسماعيلوف، الذي يعمل صحافياً في جريدة "نوفايا غازيتا" والمكلف بالتحقيق في جريمة قتل بوليتكوفسكايا. "إنه نوع من العرفان، وهذا أمر مهم بالنسبة إلى ولديها".

حصلت آنا بوليتكوفسكايا على العديد من المكافآت الدولية، كتنويه "الريشة الذهبية الروسية" للجنة تحكيم جائزة أندريه ساخاروف، وجائزة أولاف بالم، وجائزة الصحافة والديمقراطية لعام 2003 الصادرة عن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا من بين جوائز أخرى. لكن شهرتها الدولية لم تكن كافية لحمايتها، ولا حتى برنامج الحماية الشخصية الذي أمَّن لها في مناسبات عدة (كما في حال صحافيين آخرين اليوم في جريدة "نوفايا غازيتا") حراسة شرطية 24 ساعة على 24.


في مناسبات عديدة، اقترِح عليها اللجوء السياسي في أوروبا، لكنها كانت ترفض العرض في كل مرة. "لم تكن تستطيع التخلي عن الأناس الذين يعتمدون عليها"، بحسب زميلها في "نوفايا غازيتا"، الذي يوضح قائلاً: "لم تعرَف يوماً بالانحياز إلى طرف وإنما بإصرارها على شجب جميع الانتهاكات. كانت مقالاتها تتكلم عن الناس، والعدالة، والقانون". هذا ما حدا بالمفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، لويز أربور، إلى التصريح بأن "وفاتها خسارة كبرى للاتحاد الروسي ولكل المناضلين من أجل حقوق الإنسان".

وجه عابس قليلاً لامرأة عُرفت بدفء مشاعرها وحرارتها في التعاطي مع الآخرين. ولِدت آنا بوليتكوفسكايا عام 1958 في الولايات المتحدة لأبوين دبلوماسيين في الحقبة السوفياتية. وكانت أماً لولدين يبلغان اليوم 26 و28 عاماً. في الثمانينات، بدأت العمل الصحافي في يومية "إزفستيا" الروسية مع إطلاق سياسة إصلاحات البريسترويكا. وعام 1999، انضمّت إلى هيئة تحرير جريدة المعارضة نصف الأسبوعية "نوفايا غازيتا"، حيث بدأت بتغطية حرب الشيشان.

عام 2001، اختطِفت طوال ثلاثة أيام بتهمة دخولها بلا إذن إلى الشيشان. وبعد سبعة أشهر، تلقت تهديداً خطياً من ضابط أدين لقيامه بإعدام مدنيين في الشيشان. وكانت بوليتكوفسكايا قد كتبت مراراً بشأن هذه القضية وأثَّرت مقالاتها على محاكمته. كما أنها خضعت دوماً لوطأة التهديدات.

"لكن التهديدات توقفت خلال الأسابيع الأخيرة. لم يفتنا هذا الأمر ورأينا فيه غرابة"، يتذكّر فياتشيسلاف إسماعيلوف. وفي اليوميات التي تركتها على حاسوبها الشخصي، كانت تبوح بمخاوفها. "كانت تخشى مزاولة مهنتها، والذهاب إلى الشيشان. كان عملاً مؤلماً. لكن ضميرها دفعها دائماً إلى تجاوز هذه الخشية. ولم يلاحظ أحد أن شعرها أصبح شائباً بعد سبعة أعوام فقط من البدء بعملها في "نوفايا غازيتا".

"لو كان جميع الصحافيين يتسمون بشجاعة آنا بوليتكوفسكايا، لما تعرّضت للاغتيال". هذا ما صرّح به رئيس نقابة الصحافيين في روسيا يوم دفنها، موضحاً: "لأن الذين قتلوها كانوا سيترددون لدى التفكير بأن صحافياً آخر سيتابع مسيرتها لا محال. ماتت لأنها كانت وحيدة".

كريستينا لوم – باريس - فرنسا