العدد الرابع 2007
اللعبة الصعبة بين الرقابة والكتابة

|
 © رسم بلانتو
|
شكلت السيطرة على وسائل الإعلام فكرة مغرية دوماً، بالأخص في أوساط الأنظمة القمعيّة التي ترفض مبدأ الصحافة الحرّة وتذهب إلى حدّ إسكات الصحافيين بشتى الوسائل المتوفرة لديها. لكنه بات من الصعب اليوم السيطرة على وسائل الإعلام الجديدة قياساً بالوسائل الإعلامية التقليدية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى نوعية المعلومات التي تبث عبر الوسائل الحديثة، والتي لا تضمن دائماً عنصر الجودة.
حرية الصحافة في العالم 2007. خارطة مراسلون بلا حدود تابع
أفاد آخر استطلاع للرأي (نيسان/أبريل 2007) أجراه معهد روي مورغان حول نظرة الأستراليين للمِهَن، أن مهنة الصحافة ترِد بين آخر مراتب التصنيف. فقد ظهر بالفعل أن 12% فقط من المشاركين يعتبرون أن المراسلين الصحافيين يتمتعون بمعايير "عالية" أو "عالية جداً" على مستوى الأخلاق والاستقامة. وجاء ترتيب مهنتهم خلف مهنة أعضاء البرلمان (16%) ومباشرة قبل بائعي السيارات (4%) وسماسرة الأراضي (9%). مع ذلك، فإن إحدى الخطوات الأولى التي تلي الانقلابات السياسية عادة تتمثل في تمسّك القادة الجدد بالسيطرة على وسائل الإعلام، لخشيتهم من تأثيرها القوي على الرأي العام، فيما أفاد آخر تقرير للمعهد الدولي لأمن الصحافة عن مقتل أكثر من ألف صحافي وعامل في مجال الإعلام عبر العالم على مدى العقد الماضي.
لقد استحوذ عدد من هذه الوفيات على اهتمام كبير على الصعيد الدولي، كما كانت الحال في جريمة قتل آنا بوليتكوفسكايا، المراسلة الخاصة لصحيفة "نوفايا غازيتا" المستقلة والصادرة في موسكو، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والفائزة بجائزة اليونسكو/غييرمو كانو العالمية لحرية الصحافة لهذا العام. لكن عشرات الصحافيين الآخرين الذين يتمتعون بشهرة أقل يواجهون حتفاً مماثلاً كل عام. فلقد صدمت شاحنة بعنف الصحافي براهلاد غوالا، مراسل يومية "أسوميا خبر" الهندية الصادرة باللغة الآسامية، وكان يركب دراجة نارية. وتابع المعتدون جريمتهم بتوجيه طعنات له حتى الموت. وبحسب لجنة حماية الصحافيين، كان غوالا يحقق في قضايا الفساد في أوساط المسؤولين المحليين عن الغابات وتورطهم في تهريب الأخشاب.
يتمتع الصحافيون، على غرار جميع المواطنين، بالحماية بموجب المادة 19 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948). بيد أن هذا الحق لا يُوضع دائماً موضع التنفيذ، وإنما على العكس، إذ أن الصحافيين يودَعون السجن لدى التعبير عن آرائهم بحرية في ظل الأنظمة القمعية.
.

|
 © آي.بي.إم.برنت
|
تعزيز حرية الصحافة
"تتمثل إحدى مهام اليونسكو، في قسم حرية التعبير والسلام، في توفير المساعدة إلى دولها الأعضاء الراغبة في تكييف قوانينها المتعلقة بوسائل الإعلام والصحافة بما يتماشى مع المبادئ المعترف بها دولياً أو تعديلها انسجاماً مع تلك المبادئ التي تحترم حرية التعبير" بحسب سيلفي كودريه، أخصائية البرامج في اليونسكو. وهي تضيف أن المنظمة تستخدم اليوم العالمي لحرية الصحافة (3 أيار/مايو) "لإلقاء الضوء على قضايا حرية الصحافة وأهمية استقلال وسائل الإعلام في العملية الديمقراطية".
كما أن عدداً متزايداً من المنظمات غير الحكومية، بما فيها لجنة حماية الصحافيين، ومنظمة "مراسلون بلا حدود"، والمادة 19، وهيئة "التبادل الدولي لحرية التعبير"، والاتحاد الدولي للصحافيين، تنشر دورياً إنذارات إقليمية محدَّّثة بشأن التعسّفات المفروضة على حرية الصحافة، مما يضع ضغوطاً على الحكومات التي تقوم بهذه الممارسات.
"يكمن المفتاح الأساسي لتشجيع حرية التعبير والصحافة عبر العالم في منحها حداً أقصى من الاهتمام والتركيز"، بحسب كودريه. لكن ثمة مفاجآت تكشف أن الأنظمة الديمقراطية الغربية لا تتفرّد وحدها بمبادئ حرية الصحافة. فلقد صنَّف المؤشر العالمي لحرية الصحافة لعام 2006، الذي تعدّه منظمة "مراسلون بلا حدود"، 168 بلداً على أساس مجموعة من المعايير، فاحتلت الولايات المتحدة الأميركية المرتبة الثالثة والخمسين إلى جانب بوتسوانا وكرواتيا وتونغا، بعيداً وراء كوستا ريكا، التي صنِّفت في المرتبة التاسعة والعشرين. أما المراتب الخمس عشرة الأولى، فذهبت جميعها إلى بلدان في أوروبا الشمالية.
وسائل إعلامية سريعة التحوّل
في هذه الأثناء، تشهد وسائل الإعلام تحولات متسارعة، مما يتيح فرصاً جديدة للالتفاف حول الرقابة. ولا يقتصر الأمر على قيام غالبية الصحف الكبرى في البلدان المتقدمة بنشر نسخها الإلكترونية عبر الإنترنت، وإنما في تكاثر الجهات المنتِجة للأنباء عبر الشبكة، كمحرك بحث "ياهو" على سبيل المثال، رغم امتناعها عن نشر نسخ مطبوعة. والأهم من ذلك كله هو بروز المدوِّنات الإلكترونية (بلوغ) التي توفر لأي شخص موصول بالإنترنت إمكانية الإسهام في إنتاج الأخبار والمعلومات، مما يولّد مجموعة كاملة وجديدة لكتابات "الصحافيين المواطنين". ففي آذار/مارس 2007، سجّل محرك بحث "تكنوراتي" الخاص بالمدونات الإلكترونية أكثر من 70 مليون مدونة إلكترونية مع بروز مدونة جديدة كل نصف ثانية.
لكن المدونة الإلكترونية تأتي بمشاكل جديدة، إذ أن الأنظمة القمعية تلجأ أكثر فأكثر إلى وسائل تكنولوجية متطورة لتعطيل مواقع الويب المزعجة، لا بل ولإرغام مزوِّدي خدمة الإنترنت على تحديد هوية واضعي المدونات "غير الملائمة" الذين قد يتعرضون للتوقيف. ولا بد من الإشارة، من ناحية أخرى، إلى مسألة حياد المعلومات التي تنشَر عبر تلك المدونات وإمكانية الوثوق بها. "لعل هذه الظاهرة ستلقي بمسؤولية أكبر على عاتق الصحافيين المحترفين في سعيهم للحفاظ على معايير عالية للتحقق من الوقائع، وضمان الاستقامة والموضوعية"، بحسب ما جاء في الخطاب الافتتاحي لتيموثي بالدينغ، المسؤول التنفيذي الأول للرابطة العالمية للصحف، خلال مؤتمر حول وسائل الإعلام الجديدة عُقد في مقر اليونسكو تحت عنوان "أبعاد حرية الصحافة" في 15 و16 شباط/فبراير 2007.
لا شك أن حرص الناس على قراءة الأنباء، بل وكتابتها أيضاً، قد خلَّف أثره على وسائل الإعلام التقليدية من خلال مواقع الويب المنشأة، التي يجري من خلالها تشجيع الجمهور على إرسال ملاحظاته عبر البريد الإلكتروني وخدمة الرسائل القصيرة "أس. أم. أس"، والصور وشرائط الفيديو التي تعرض الأنباء العاجلة التي تلتقطها الهواتف النقالة في أحيان كثيرة. واعتبر روزنتال كالمون ألفز، من جامعة تكساس في أوستن (الولايات المتحدة الأميركية) في مؤتمر اليونسكو، أن "هذا لا يشكل تهديداً على الإطلاق على مهنة الصحافة، وإنما يمنحها فرصة للبقاء حيّة بجعلها أكثر انفتاحاً على الجمهور وأوثق اتصالاً بالمجتمعات التي تعمل في سياقها".
على الرغم من انتشار التكنولوجيات الحديثة، ما زالت وسائل الإعلام القديمة، وخصوصاً الإذاعة، تتمتع بوسائل فعالة لمواجهة الضوابط والقيود. وتتوجه إذاعة "أس. دبليو أفريقيا" مثلاً، التي تبث برامجها على موجة قصيرة من استوديوهات بالقرب من لندن (المملكة المتحدة)، إلى المستمعين في زيمبابوي، علماً أن "لا أحد تقريباً موصول بالموجات العريضة النطاق في هذا البلد، وتبقى عمليات الوصل بطيئة جداً" استناداً إلى جيري جاكسون، مدير المحطة، الذي شارك أيضاً في مؤتمر اليونسكو. كما تلجأ إذاعة "أس. دبليو أفريقيا" إلى خدمة الرسائل القصيرة حيث يكمن التحدي المتمثل أمامها في ضغط الأنباء ضمن 160 رمزاً واستخدام الإنترنت. "خلاصة القول أنه يتعين اختبار كل الوسائل الممكنة للالتفاف حول فارضي الرقابة، وعدم الاستسلام أبداً"، بحسب جاكسون.
بيتر كولز - لندن